"قصر خداوج العمياء"  الأسطوري بالجزائر  تحفة معمارية تحاكي الزمان

الخميس 02 يونيو 2022 -05:58

تقرير: جميلة خياري

 تزخر دولة الجزائر بماضيها الحافل  حيث تمتلك على ثروة ثمينة من الشواهد الأثرية و المفاخر العمرانية  التي مازالت متواجدة حتى يومنا هذا ، و قصر "خداوج العمياء" أو "الأميرة خديجة أو "دار البكري" كما يحب سكان العاصمة تسميته هو واحد من أهم القصور التاريخية التي تشتهر بها العاصمة ، وهو أحد روائع الفن المعماري العثماني بالجزائر، المحاط بهالة من القصص و الأساطير .

يقع هذا القصر بالقصبة السفلى بالجزائر العاصمة مقابل الواجهة البحرية غير بعيد عن جامع كتشاوة و أيضا ضريح الولي الصالح عبد الرحمان الثعالبي ما يعرف حاليا بسيدي عبد الرحمان .

يعود تاريخ تشييد هذا القصر إلى سنة 1570 ميلادية بمبادرة من أحد ضباط البحرية الجزائرية  القائد "يحي رايس" ، و بعد الاحتلال الفرنسي تم تحويل هذا القصر إلى مقر أول بلدية فرنسية بالجزائر العاصمة ، لكن فيما بعد قرر ملك فرنسا و زوجته تحويله إلى مقر إقامتها أثناء زيارتها للجزائر و ذلك سنة 1860 .

و خداوج العمياء هي إحدى بنات حسن الخزناجي الذي كان وزير المالية لدى الداي محمد بن عثمان في الفترة  ما بين سنة 1766- 1791 ، و كان للخزناجي بنتان و هما خداوج و عزيزة ، و نظرا لإخلاصه في عمله أهداه الداي دار يحي رايس كمكافأة له ، و هذا الأخير بدوره أهداها لأبنته خداوج التي كان يحبها كثيرا ، لكنها لم تسكن فيها و فضلت العيش مع شقيقتها عزيزة .

و كانت خداوج واحدة من جميلات القصبة آنذاك ، اختلفت الروايات حول أصل تسميتها بخداوج العمياء و كيف أصيبت بالعمى فالرواية الأولى تقول أن خداوج كانت فتاة جميلة جدا و معجبة بنفسها تقضي ساعات طويلة أمام مرآتها  المرصعة بالجواهر والياقوت  تتأمل جمالها و هكذا أصيبت بالعمى لإفراطها في النظر إلى المرأة ، أما الرواية الثانية تقول أن هذه المرآة انكسرت بالقرب منها  و دخلت شظايا من الزجاج في عينيها و هكذا أصيبت بالعمى ، و هناك رواية ثالثة تقول أنها قامت ببيع الدار التي أهداها والدها لتاجر يهودي يسمى يعقوب البكري و أطلق عليها هذا الاسم لعمى بصيرتها .

هذا المعلم التاريخي الذي تحيط به العديد من القصص و الروايات لا يزال محافظا على طابعه المعماري الأصيل الذي أبدعت فيه الأنامل التركية ، فهو نموذج رائع للبناء المتين والزخارف المميزة و الذوق الرفيع ، مما جعله قبلة سياحية بامتياز يقصده السياح من داخل و خارج الجزائر، للتمتع  بالقطع الأثرية التي يحويها القصر و التي تعود لعصور مضت ،  فالمتجول داخل قصر خداوج العمياء يلاحظ  الطراز المعماري المميز الذي صمم به القصر ، حيث أن بوابته الرئيسية مصنوعة من الخشب المنحوت و هذه الأخيرة تؤدي إلى دهليز طويل ما يعرف بالسقيفة ، في الطابق الأول للقصر يوجد العديد من الغرف المزخرفة بالفن العثماني الذي ميز تلك الفترة ، كما أن التعديلات الأوروبية التي قامت بها السلطات الفرنسية واضحة على جدران هذه الغرف ، أما في الطابق العلوي للقصر يوجد المنتزه المطل على الواجهة البحرية مما يسمح باستنشاق هواء البحر المنعش ، كما يوجد بالقصر العديد من المطابخ و الحمامات .

في سنة 1962 بعد استقلال الجزائر أصبح هذا القصر متحف للفنون التقليدية وورشة للحرف اليدوية القديمة ، ليتحول في 1987 إلى مقر المتحف الوطني للفنون و التقاليد  الشعبية ، أين يتم فيه عرض العديد من  القطع الأثرية القديمة و أيضا الأثاث ، النسيج ، الجلود و النحاس و غيرها من القطع الثمينة و الصناعات التقليدية  التي تعبر عن عادات و تقاليد المجتمع الجزائري عبر ربوع الوطن و ذلك لحفظ الموروث الثقافي من الزوال .