د. محمد أبو أحمد يكتب.. "على مدارج الصائمين: رحلة من فوضى النفس إلى سكينة الروح". السبت 21 فبراير 2026 -02:22 خاص البوصـلة : مشاركة الخبر قرأتُ منذ مدة كتاب "مدارج السالكين" لابن القيم الجوزية، واستوقفتني عبارةٌ يقول فيها: "في القلبِ شَعَثٌ لا يَلُمُّهُ إلا الإقبالُ على الله، وفيه وَحشةٌ لا يُزيلُها إلا الأُنسُ به، وفيه حُزنٌ لا يُذهِبُهُ إلا السرورُ بمعرفتِه". حينما تأملت تلك المقولة وبحثت في التفسير، وجدتها تلخص حالة "الركض المستمر" التي نعيشها! .. "شَعَثٌ لا يَلُمُّهُ إلا الإقبالُ على الله":- الشعث هو التفرق وتشتت القلب، ولا يجمع هذا الشتات ويرتب أمور القلب إلا الإقبال على الله بالعبادة والذكر. "وَحشةٌ لا يُزيلُها إلا الأُنسُ به": - وحشة القلب هي شعور بالغربة والخوف، ولا يزيلها إلا تحقيق الأنس بالله، وخاصة في الخلوات. "حُزنٌ لا يُذهِبُهُ إلا السرورُ بمعرفتِه":- الحزن هنا هو هموم الدنيا، وعلاجه في محبة الله، والسرور بمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وصدق معاملته. في هذا الكتاب يؤكد ابن القيم أن القلب يمر بقلق لا يسكنه إلا الاجتماع على الله، وأن فاقة القلب (حاجته) لا يسدها إلا حبه والإنابة إليه، ولو أُعطينا الدنيا وما فيها. فنحن نملأ حياتنا بالبشر، والأحاديث، والعمل، والملذات؛ ظنًا منا أننا نطرد تلك "الوحشة".. لكننا نكتشف في نهاية اليوم أنَّ الشَعَثَ (التمزق والشتات) يتَّسع، وأنَّ الجوع الروحيّ لا تُشبعه موائد الدنيا بأسرها!.. واليوم، ونحن في الأسبوع الأول من رمضان المُبارك، تُفتَحُ لنا أبواب المعونة الإلهية الكبرى؛ فحينما نصوم ترتقي الروح ويخف الجسد. نحن لا نمتنع عن الطعام والشراب فقط، وإنما نمتنع عن كلِّ ما يُشتت القلب ويُبعده عن غايته. وفي رأيي أن أحد الأهداف الحقيقية للصيام هو، إيقافُ الكون الصاخب الذي بداخلك، لتسمع أخيرًا صوت فطرتك؛ أنتَ تجوع ماديًا لتشبع روحيًا، وتعطش لتُروى بيقينٍ غاب عنك في زحام الأشهر الأحد عشر الماضية. رمضانُ ليس شهرًا للحرمان، بل هو شهرٌ لترتيب فوضى الصدر، ولَمِّ شَعَثِ القلب. كما أن فلسفة الصيام تتجاوز الامتناع المادي عن الطعام والشراب لتشمل تهذيب النفس، وتعزيز التقوى، وتحقيق التضامن الاجتماعي. إنه "مدرسة" تربوية تعزز الإرادة والحرية بضبط الشهوات، وتحويل التركيز من الذاتية إلى الإخلاص لله، مما يجعله ممارسة روحية وأخلاقية شاملة لتهذيب السلوك البشري. أبرز أبعاد فلسفة الصيام:- التقوى والتهذيب الروحي: الصيام "جُنّة" (وقاية) يتقي بها المرء ربه بترك المحظورات، ويدرب النفس على الصبر، والانضباط، والاستغناء عن المباحات مؤقتًا، مما يكسر حدة الشهوات. أعلى درجات الحرية والإرادة: يرى الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش أن الصيام انتصار للإرادة الإنسانية؛ حيث يختار الإنسان بملء إرادته الامتناع عن الضروريات، مما يثبت سمو الروح على الجسد. البعد الاجتماعي (الرحمة والتضامن): يُشعر الصيام الغني بألم الجوع، مما يولد العطف والرحمة تجاه الفقراء والمحتاجين، ويعزز روح الجماعة والتراحم. "صوم الخصوص" (عفة الجوارح): كما أشار الإمام الغزالي، لا يقتصر الصيام على البطن، بل يشمل "صوم الجوارح" (العين، واللسان، والأذن) عن الآثام، ليكون صيامًا حقيقيًا. المركزية الإلهية: يخرج الصيام الإنسان من الأنانية والمركزية الذاتية إلى الإخلاص لله، ويصبح الصائم في رمضان أكثر جودًا وعطاءً. من وجهة نظري، فإن الصيام في رمضان هو وضع حدود "قانون البطن" الذي يهدف إلى "اتقاء" النفس من التمادي في الشهوات -كما أوضح الرافعي- لتهذيب الإنسانية وتحقيق الانضباط.