د. محمد أبو أحمد يكتب: "عزلةٌ في غرفة مزدحمة" صراع الروح مع ظلها

الخميس 25 يونيو 2026 -11:41

الكاتب الصحفي محمد أبو أحمد يكتب ..

خاص البوصـلة
يقول تولستوي : "أصعب المعارك، هي تلك التي يخوضها الإنسان مع نفسه."

هذه المقولة تجسد حقيقة نفسية عميقة؛ فالمعارك الخارجية لها خصم معلوم وساحة واضحة، أما المعركة مع النفس فهي صراع بين "ما ندرك أنه صواب" وبين "رغباتنا وغرائزنا"، وهي الأصعب لانعدام المسافة، ففي هذه المعركة، أنت الخصم والحكم في آنٍ واحد، مما يجعل الحياد مستحيلاً والهروب من المواجهة متعذراً.

كما أن غريزة ​خداع الذات او النفس بارعة في تبرير الخطأ، واختلاق الأعذار، وتجميل القبيح، مما يجعل كشف حقيقتها أصعب من كشف خداع الآخرين.

إضاف إلى ذلك ​الاستنزاف المستمر للروح فبينما تنتهي المعارك الخارجية بهدنة أو نصر، فالصراع مع النفس مستمر ما دام الإنسان حياً؛ فهو صراع ضد نقاط الضعف، والمخاوف، والشهوات التي تتجدد باستمرار.

​ لذا فإن المعركة مع النفس هي اختبار للوعي والإرادة؛ فالانتصار فيها ليس هزيمة للذات، بل هو "ترويضها" للسمو بها، وهو التحدي الوحيد الذي يحدد جوهر الإنسان ومعدنه الحقيقي.

فليست كل الحروب تُرى بالعين، وليست كل الجراح تترك أثرًا على الجسد.

فهناك معارك صامتة تدور في أعماق الإنسان كل يوم، معركة بين الخوف والشجاعة، بين اليأس والأمل، بين الرغبة في الاستسلام والإصرار على الاستمرار.

قد يراك الناس مبتسمًا بينما تخوض في داخلك حربًا لا يعلم عنها أحد شيئًا، تحاول أن تتجاوز ذكريات تؤلمك، أو تتغلب على عادة تُضعفك، أو تقاوم أفكارًا سلبية تحاول إقناعك بأنك لن تنجح.

وفي كل مرة تنهض فيها بعد سقوط، وتستمر رغم التعب، فأنت تحقق انتصارًا لا يقل عظمة عن أي انتصار آخر.

إن أصعب ما في هذه المعركة أن الخصم يعرف نقاط ضعفك كلها، لأنه يسكن داخلك.

يعرف مخاوفك القديمة، وشكوكك، وخيباتك، وكل اللحظات التي شعرت فيها بالعجز، ومع ذلك، فإن أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق حين يقرر الإنسان أن يكون أقوى من مخاوفه، وأكبر من ظروفه، وأصدق مع نفسه.

 فلا تستهِن أبدًا بمن يحاول إصلاح نفسه بصمت، أو بمن يقاوم الحزن دون أن يشتكي، أو بمن يستيقظ كل يوم ليبدأ من جديد رغم كل ما مر به.

فبعض الأشخاص يخوضون معارك لا يراها أحد، ويستحقون الاحترام لمجرد أنهم ما زالوا يقفون على أقدامهم.

فالانتصار الحقيقي لا يكون على الآخرين، بل على ضعفك، وعلى استسلامك، وعلى كل ما يمنعك من أن تصبح النسخة الأفضل من نفسك.

وكل خطوة نحو التغيير، مهما بدت صغيرة، هي انتصار يستحق أن تفخر به.

لأن أعظم الأبطال ليسوا دائمًا من يهزمون خصومهم، بل من يهزمون أنفسهم عندما تدعوهم إلى التراجع.