د. محمد أبو أحمد يكتب "الهولودومور" صرخة صامتة في حقول القمح المنهوبة. الجمعة 13 فبراير 2026 -10:25 خاص البوصـلة : مشاركة الخبر التاريخ، رغم عظمته، ليس مجرد سجل للمنجزات والبطولات، بل هو أيضاً مرآة تعكس أحلك زوايا النفس البشرية. فخلف كل حضارة شيدت، هناك فصول مطوية من المآسي التي كتبت بدماء الأبرياء ودموع المظلومين. إن مآسي التاريخ هي تلك اللحظات التي طغى فيها الغدر على الوفاء، وغلبت فيها المصالح الضيقة قيم الإنسانية، حيث أُبيدت شعوب، وضاعت حقوق، وزُيفت حقائق لصالح الأقوى. ودراسة هذه المآسي ليست نبشاً في الجراح، بل هي محاولة لفهم كيف يمكن للوهم والكذب أن يصنعا كوارث تظل آثارها ندوباً غائرة في ذاكرة الزمن. حكايتنا اليوم عن مأساة حدثت في بداية الثلاثينيات، حين قرر "جوزيف ستـــالين" وهو القائد الثاني للإتحاد السوفيتي أن الفلاحين الأوكرانيين المستقلين (الذين يسمون الكولاك) هم "أعداء الثـــورة". صنفهم كذلك لأنهم رفضوا التخلي عن مزارعهم والانضمام للمزارع الجماعية الحكومية . فكان عقاب ستـــالين لهم شيطانياً: "إذا لم تعطونا القمح طوعاً، سنأخذه كله، ونترككم تأكلون التراب". لم تكن مجـــاعة طبيعية بسبب الجفاف، بل كانت "هندسة اجتماعية" للمــــــــــوت. في عام 1932، أصدرت موسكو قراراً بزيادة حصة الحبوب المطلوبة من أوكرانيا بنسبة مستحيلة (44%) عندما عجز الفلاحون عن الدفع، أرسل ستـــالين فرق التفتيش دخل هؤلاء الجنود والنشطاء إلى كل بيت ريفي. لم يصادروا القمح الفائض فقط بل صادروا "كل شيء يؤكل": البطاطس، البنجر، الفاصوليا، وحتى الحيوانات الأليفة تركوا الفلاحين في بيوت فارغة تماماً، محاصرين بالثلج، بلا حبة قمح واحدة. لضمان عدم بقاء أي أمل، أصدر ستالين قانوناً وحشياً عرف شعبياً بـ "قانون السنابل الخمس". ينص القانون على أن أي شخص (حتى لو كان طفلاً) يُضبط وهو يأخذ بضع سنابل من القمح المتبقي في الحقول الحكومية، عقوبته هي: "الإعــــــــــدام رمياً بالرصاص"، أو السجن لمدة 10 سنوات. ولنتعرف على بشاعة الأمر ، ما عليك عزيزي القارئ إلا أن تتخيل أماً ترى أطفالها يموتـون جوعاً، فتتسلل ليلاً لتقطف سنبلة قمح من حقل كان ملكاً لها بالأمس، ليقوم حارس برج المراقبة بقنصهــــــــــا فوراً، لتتحول الحقول الخصبة إلى مناطق إعــــــــــدام. بحلول ربيع 1933، وصلت المأساة لذروتها اختفت الكلاب والقطط من القرى (لأن الناس أكلوها). ثم أكلوا الأحزمة الجلدية، ولحاء الشجر، والجذور. ثم حدث "ما لا يمكن ذكره". الجنــــــــــون أصاب الآباء والأمهات. بعضهم قتــــــــــل أطفاله ليريحهم من العذاب، وبعضهم فعل الأشنع من أجل البقاء. أصبحت القرى صامتة تماماً، حتى من اصوات الحيوانات، فقط عربات تجوب الشوارع كل صباح لتجمع الجثــــــــــث المتيبسة من البرد والجــــــــــوع وتلقيها في حفر جماعية. حاول الآلاف الهرب إلى المدن أو عبر الحدود إلى بولندا أو روسيا بحثاً عن الخبز. لكن ستـــالين كان قد أغلق المصيدة. فرض نظام "جواز السفر الداخلي"، ومنع الفلاحين من مغادرة قراهم. نشر الجيش حول حدود أوكرانيا لمنع أي لاجئ من الخروج. تحولت أوكرانيا بالكامل إلى "معسكر اعتقــــــــــال" ضخم مساحته بحجم دولة. بينما كان القمح الأوكراني يُشحن في القطارات تحت حراسة مشددة ليُباع في الخارج وتشتري به الدولة آلات صناعية، كان منتجوه يموتــــــــــون بجانبه. بينما كان الملايين يموتــــــــــون، كان العالم الغربي يجهل الحقيقة. والسبب هو صحفي نيويورك تايمز "والتر ديورانت" (الفائز بجائزة بوليتزر!). كان ديورانت يكتب تقارير من موسكو يقول فيها: "لا توجد مجاعة.. هناك فقط نقص في الغذاء وسوء تغذية". كان "يغطي" على جريمــــــــــة ستالين للحفاظ على علاقاته بالنظام. أما الشخص الوحيد الذي حاول فضح الأمر فكان الصحفي الويلزي "جاريث جونز"، الذي تسلل للقرى ورأى الجثــــــــــث بنفسه، وكتب: "الخبز انتهى.. الناس يموتــــــــــون". لكن الآلة الإعلامية السوفيتية والغربية كذّبته ودمرت سمعته، وقُتــــــــــل جونز لاحقاً في ظروف غامضة. انتهت المجاعة بمــــــــــوت ما يقدر بـ 3 مليون إلى 5 ملايين إنسان، لم يعترف الاتحاد السوفيتي بالمجاعة أبداً حتى سقوطه في التسعينيات. "الهولودومور" ليس مجرد قصة عن الجــــــــــوع، بل هو درس تاريخي يعلمنا أن أخطر سلاح في يد الطاغية ليس الدبابة، بل هو التحكم في "لقمة العيش".