مصر والصين.. تحالف زراعي يتجاوز الحدود لصناعة مستقبل الغذاء في إفريقيا والعالم العربي

الأربعاء 02 سبتمبر 2026 -01:57

كتبت: صفا الجوهري
لم تعد العلاقات المصرية الصينية تقتصر على التبادل التجاري أو التعاون في المشروعات الكبرى، بل تتجه بصورة متزايدة نحو بناء شراكة استراتيجية تمتد إلى قطاعات تمس الأمن القومي والتنمية المستدامة، وفي مقدمتها القطاع الزراعي والأمن الغذائي.

وتأتي مصر في مقدمة الدول التي تحظى باهتمام صيني متزايد باعتبارها بوابة رئيسية للأسواق الإفريقية والعربية، وهو ما يمنح التعاون الزراعي بين البلدين أبعادًا تتجاوز حدود السوقين المصري والصيني.

ويقول الدكتور مصطفى عمارة، المتحدث الرسمي باسم مركز البحوث الزراعية، إن التعاون المصري الصيني في المجال الزراعي يمثل فرصة استراتيجية يمكن البناء عليها لتحقيق نقلة نوعية في منظومة الأمن الغذائي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وندرة المياه وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج.

وأوضح في تصريحات خاصة لـ "البوصلة نيوز" أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد انتقال التعاون من مجرد تبادل الخبرات والزيارات إلى تنفيذ مشروعات بحثية وتطبيقية مشتركة في مجالات الزراعة الذكية، وتحسين إنتاجية المحاصيل، وسلامة الغذاء ونقل التكنولوجيا.

مصر والصين.. شراكة تتجاوز حدود التجارة إلى الأمن الغذائي

وأشار "عمارة" إلى أن العلاقات المصرية الصينية تستند إلى تاريخ طويل من التواصل والتعاون، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تطورًا واضحًا في طبيعة الشراكة، مدفوعة بالإرادة السياسية للبلدين والرغبة المشتركة في دعم التنمية والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

وأضاف أن التعاون الزراعي يأتي في مقدمة المجالات التي يمكن أن تحقق فيها الشراكة المصرية الصينية نتائج مباشرة، خاصة أن مصر تمتلك قاعدة بحثية وزراعية يمكن تطويرها بالتكنولوجيا الصينية، في الوقت الذي تمتلك فيه الصين خبرات متقدمة في الزراعة الذكية، وإدارة الموارد المائية، وتحسين الإنتاجية، والتعامل مع التحديات المناخية.

خطة عمل جديدة.. من الاتفاقيات إلى مشروعات على الأرض

وتعمل وزارة الزراعة المصرية على تطوير وتجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي المشترك، الموقعة عام 2023، بما يرفع مستوى التعاون إلى إطار أكثر استراتيجية، ويتيح توجيه الخبرات والتكنولوجيا الصينية لخدمة أولويات القطاع الزراعي المصري، مع إمكانية امتداد آثار هذه المشروعات إلى الأسواق العربية والإفريقية.

وتشمل مجالات التعاون المرتقبة التكنولوجيا الزراعية الحديثة والزراعة الذكية، وتطوير نظم الري الحقلية، واستخدام تقنيات المعلومات في متابعة الرطوبة ودرجات الحرارة، وبرامج التنبؤ الزراعي، إلى جانب بحوث التربة والمياه والاستشعار عن بعد، واستصلاح الأراضي، وتطوير المحاصيل القادرة على تحمل الجفاف والملوحة والإجهادات البيئية.

"المعمل" في مواجهة الملوثات.. التكنولوجيا تحمي الصادرات المصرية

ويمثل ملف سلامة الغذاء أحد المحاور المهمة في التعاون المصري الصيني، خاصة مع تنامي حركة التجارة الزراعية بين البلدين.

ويأتي التعاون بين المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية والجهات البحثية الصينية لتبادل الخبرات وتطوير تقنيات الفحص والتحليل والكشف عن الملوثات، بما يدعم جودة المنتجات المصرية ويعزز قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

ويؤكد عمارة أن تطوير منظومة تحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة لا يخدم الصادرات المصرية إلى الصين فقط، وإنما يرفع من كفاءة منظومة سلامة الغذاء المصرية بصورة عامة، ويمنح المنتجات الزراعية المصرية قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الدولية، خاصة أن الالتزام بالمعايير الدولية أصبح أحد أهم مفاتيح التوسع في الصادرات الزراعية.

من المعمل إلى الحقل.. أصناف تتحمل التغيرات المناخ

ويحتل التعاون البحثي لمواجهة آثار التغيرات المناخية موقعًا متقدمًا في أجندة الشراكة المصرية الصينية، من خلال العمل على تطوير أصناف من المحاصيل الاستراتيجية تتمتع بإنتاجية مرتفعة وقدرة أكبر على تحمل الجفاف والملوحة والإجهادات البيئية.

وتتضمن مجالات البحث والتطوير محاصيل استراتيجية مثل الأرز الهجين والذرة وفول الصويا، إلى جانب توظيف تقنيات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات والذكاء الاصطناعي في إدارة المحاصيل ومتابعة التغيرات المناخية والاحتياجات المائية، بما يفتح المجال أمام نموذج جديد للزراعة يعتمد على البيانات والتكنولوجيا بدلًا من الإدارة التقليدية للموارد.

"المياه أولًا".. الزراعة الذكية سلاح مصر في مواجهة الندرة

وتعد إدارة المياه أحد أهم الملفات التي يمكن أن تحقق فيها مصر والصين شراكة ذات تأثير مباشر، في ظل محدودية الموارد المائية وضرورة زيادة الإنتاج الزراعي من الأراضي القائمة والجديدة في الوقت نفسه.

ويستهدف التعاون في هذا المجال توظيف نظم الري الذكي وتقنيات قياس الرطوبة ودرجات الحرارة وتحليل البيانات لتحديد الاحتياجات الفعلية للنبات، إلى جانب تطوير نظم الري الحقلية واستخدام التكنولوجيا الحديثة في مشروعات استصلاح الأراضي، بما يساعد على رفع كفاءة استخدام كل وحدة مياه وتحقيق إنتاجية أعلى.

القاهرة بوابة التكنولوجيا الصينية إلى إفريقيا

ومن أبرز الفرص التي يتيحها التعاون المصري الصيني إمكانية تحويل مصر إلى مركز إقليمي لنقل التكنولوجيا الزراعية المستدامة إلى القارة الإفريقية، خاصة في ظل موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها التجارية مع الأسواق الإفريقية والعربية.

وفي هذا الإطار، يمثل التعاون بين مركز بحوث الصحراء والجهات البحثية الصينية، وإنشاء مكتب إقليمي للمركز الصيني الإفريقي المشترك للأبحاث SAJOREC في القاهرة، خطوة يمكن البناء عليها لتبادل الخبرات في مجالات مكافحة التصحر واستصلاح الأراضي وإدارة الموارد الطبيعية والتكيف مع التغيرات المناخية، بما يجعل مصر نقطة اتصال بين الخبرة الصينية والاحتياجات الزراعية الإفريقية.

الإعفاءات الجمركية.. ورقة جديدة للصادرات المصرية

ويمثل فتح الأسواق الصينية أمام مزيد من المنتجات الزراعية المصرية أحد أهم المسارات الاقتصادية في الشراكة، خاصة مع الاستفادة من المبادرات الصينية الخاصة بتيسير نفاذ المنتجات القادمة من الدول الإفريقية إلى السوق الصينية.

وتأتي الحاصلات الزراعية والغذائية في مقدمة المنتجات القادرة على الاستفادة من هذا التوسع، مع استمرار العمل على إزالة العقبات الفنية واشتراطات الحجر الزراعي ورفع كفاءة منظومة التكويد والتتبع، بما يدعم دخول منتجات مصرية جديدة إلى السوق الصينية، ومن بينها المانجو إلى جانب المنتجات التي نجحت بالفعل في الوصول إلى السوق الصينية مثل الرمان والتمور والفراولة المجمدة.

"168 مليون دولار".. التجارة تتحول إلى عقود وشراكات

ويعكس تنامي العلاقات التجارية بين البلدين انتقال التعاون الزراعي تدريجيًا من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة العقود والشراكات التجارية، حيث أبرمت شركات مصرية خلال أغسطس 2026 عقودًا تصديرية مع مشترين صينيين بقيمة تقترب من 168 مليون دولار، شملت منتجات زراعية وغذائية.

وتكتسب هذه العقود أهمية خاصة لأنها تفتح الباب أمام بناء علاقات طويلة الأجل بين المنتجين والمصدرين المصريين والمشترين الصينيين، بما يسمح بتطوير سلاسل الإمداد والتعبئة والتخزين والنقل، وتحويل السوق الصينية من مجرد وجهة تصديرية إلى شريك في تطوير منظومة الإنتاج والتصنيع الزراعي المصرية.

من استيراد التكنولوجيا إلى توطينها.. المعركة الحقيقية

ولا يقتصر التعاون المستهدف على الحصول على التكنولوجيا الزراعية، وإنما يمتد إلى توطينها داخل مصر، خاصة في مجالات الآلات والمعدات الزراعية والمبيدات ومستلزمات الإنتاج والتصنيع المرتبط بالقطاع الزراعي.

وتأتي المباحثات مع الجهات الصينية المتخصصة في إدارة ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية ضمن هذا الاتجاه، من خلال تبادل الخبرات والتشريعات والتكنولوجيا، مع استهداف بناء قاعدة صناعية محلية لإنتاج مبيدات عالية الجودة وفق المعايير الدولية، إلى جانب تطوير مستلزمات الإنتاج والأسمدة الحيوية والآلات الزراعية الحديثة.

"فامسون" و"تيدا".. الاستثمار الصيني يدخل قلب المنظومة الزراعية

وتشارك الشركات الصينية في دعم عدد من المسارات المرتبطة بالقطاع الزراعي، سواء في مجال المعدات والآلات أو تخزين الحبوب وسلاسل الإمداد والتصنيع والتعبئة والتغليف.

وتبرز في هذا السياق شركة فامسون FAMSUN المتخصصة في التكنولوجيا والهندسة الزراعية، إلى جانب الدور الذي يمكن أن تلعبه المنطقة الاقتصادية الصينية "تيدا" في جذب مزيد من الاستثمارات المرتبطة بالصناعات الغذائية والزراعية والخدمات اللوجستية، بما يعزز قدرة مصر على بناء منظومة متكاملة تبدأ من الإنتاج ولا تنتهي عند التصدير.

الحبوب والثروة الحيوانية.. الأمن الغذائي يبدأ من "السلسلة"

ويمثل تخزين الحبوب أحد المحاور الأساسية للأمن الغذائي، خاصة في ظل الحاجة إلى تقليل الفاقد والحفاظ على المخزونات الاستراتيجية. وتتيح الخبرات الصينية في إنشاء وإدارة منظومات التخزين والصوامع فرصة لتطوير البنية التحتية المصرية المرتبطة بالحبوب والأعلاف.

ويمتد التعاون كذلك إلى مجالات الثروة الحيوانية والداجنة وإنتاج الأعلاف والتدريب ونقل الخبرات، بما يمكن أن يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتقليل تكلفة المدخلات وتعزيز قدرة القطاع على تلبية الطلب المحلي، مع إمكانية تطوير برامج تدريبية تستهدف صغار المنتجين والمرأة الريفية وربط الإنتاج المحلي بسلاسل القيمة الحديثة.

الباحث المصري في الصين.. "نقل المعرفة" بدلًا من نقل المعدات

ومن المحاور التي يمكن أن تحدد نجاح الشراكة المصرية الصينية خلال السنوات المقبلة زيادة برامج التدريب وتبادل الباحثين والخبراء، بحيث لا يقتصر التعاون على شراء أو نقل التكنولوجيا، وإنما يمتد إلى بناء كوادر قادرة على تطويرها وتطبيقها محليًا.

وتشمل الأولويات المقترحة تكثيف إيفاد الباحثين والمزارعين المصريين إلى الصين للتعرف على نظم الإدارة الزراعية الذكية، والاستفادة من الخبرات الصينية في الزراعة الدقيقة والذكاء الاصطناعي  والاستشعار عن بعد وإدارة المياه والتنبؤ بالآفات والتغيرات المناخية.

الهدف الأكبر.. مصر "منصة غذائية" للعالم العربي وإفريقيا

ويرى الدكتور مصطفى عمارة أن القيمة الحقيقية للتعاون المصري الصيني لا تكمن فقط في زيادة الصادرات أو جذب الاستثمارات، وإنما في إمكانية بناء نموذج تنموي متكامل يجعل مصر مركزًا للإنتاج والتصنيع والبحث العلمي والتصدير الزراعي إلى محيطها العربي والإفريقي.

وأوضح أن الجمع بين الموقع الاستراتيجي لمصر والخبرات البحثية المصرية والقدرات التكنولوجية والاستثمارية الصينية يمكن أن يخلق نموذجًا جديدًا للشراكة، تتحول فيه مصر من سوق مستقبلة للتكنولوجيا إلى مركز لتوطينها وإعادة توظيفها بما يتناسب مع احتياجات المنطقة.

الشراكة المقبلة.. "غذاء أكثر بتكنولوجيا ومياه أقل"

 وتتجه آفاق التعاون المستقبلية إلى بناء تحالفات زراعية أكبر تستهدف استصلاح الأراضي وزيادة إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية، إلى جانب تطوير الزراعة الذكية وتوطين صناعة مستلزمات الإنتاج والمبيدات والآلات، وتحسين إدارة المياه والتربة، وتعزيز برامج سلامة الغذاء وتحليل الملوثات.

وبحسب عمارة، فإن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو تحويل عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات قابلة للقياس، لها إنتاج واستثمار وفرص عمل وصادرات وتأثير واضح على الأمن الغذائي.

فنجاح التجربة المصرية الصينية لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرتها على إنتاج غذاء أكثر، باستخدام مياه أقل، وتكنولوجيا أذكى، وسلاسل إمداد أكثر كفاءة، وهو ما يجعل التعاون بين البلدين فرصة تتجاوز مصر والصين لتصل آثارها إلى الأمن الغذائي في إفريقيا والعالم العربي.