أكد المهندس كريم صبحي، عضو غرفة الحبوب باتحاد الصناعات وعضو المجلس السلعي للصادرات الغذائية، في تصريحات خاصة لـ"البوصلة الاقتصادية"، أن مؤشرات النصف الثاني من عام 2026 تعكس تحسنًا ملحوظًا في أوضاع أسواق الحبوب والبقوليات عالميًا، مدعومة بتراجع تكاليف الشحن والطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد، بما ينعكس إيجابًا على الأسواق المستوردة وفي مقدمتها السوق المصري.
وأضاف أن التطورات الاقتصادية العالمية، إلى جانب حركة الإنتاج والاستهلاك في الدول الرئيسية المنتجة للحبوب والبقوليات، تستوجب المتابعة المستمرة، خاصة مع دخول الأسواق مرحلة جديدة من التوازن بين المعروض والطلب، وما يصاحبها من متغيرات تؤثر في تكلفة الاستيراد وأسعار الغذاء خلال الفترة المقبلة.
المؤشرات الاقتصادية الكلية واللوجستيات.. انخفاض النفط والدولار يخفض تكلفة الاستيراد
وأشار "صبحي" إلى أن الساحة الاقتصادية العالمية خلال النصف الثاني من عام 2026 تشهد تحولات جوهرية تصب في صالح خفض تكاليف سلاسل الإمداد الغذائية، موضحًا أن انخفاض سعر برميل البترول وسعر الشحن جاء بعد توقيع وبدء سريان مذكرات تفاهم السلام الهادفة لوقف الحرب في الشرق الأوسط، حيث استقرت أسعار خام برنت في نطاق يتراوح بين 70 و73 دولارًا للبرميل.
وأضاف أن هذا الاستقرار أدى بصورة مباشرة إلى تراجع علاوة المخاطر اللوجستية، وانخفاض أسعار الوقود البحري، وهو ما تسبب في هبوط مؤشرات الشحن البحري بنسبة تتراوح بين 15% و20%، لينعكس ذلك على انخفاض تكلفة الشحن للحبوب والبقوليات عالميًا.
ولفت إلى أن سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري يشهد أيضًا مسارًا هبوطيًا مدعومًا بتدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب تراجع الضغوط التضخمية عالميًا ومحليًا، وهو ما يسهم بصورة مباشرة في خفض الفاتورة الاستيرادية للمحروقات والطاقة، وتقليل تكلفة الإفراج الجمركي للبضائع داخل الموانئ، بما ينعكس في النهاية على انخفاض أسعار السلع الغذائية بالسوق المحلي.
القمح العالمي.. زيادة الإنتاج مقابل تراجع المخزونات
وأوضح "صبحي" أن الميزانية العمومية للقمح عالميًا تشهد حالة من التوازن الحذر مع ميل نحو تقليص المخزونات النهائية، حيث يقدر الإنتاج العالمي بنحو 844.36 مليون طن متري، بزيادة تقارب 6% مقارنة بالمواسم السابقة، مدعومًا بمحاصيل قياسية في الصين والاتحاد الأوروبي والهند.
وأضاف أن الاستهلاك العالمي يواصل نموه ليصل إلى نحو 850 مليون طن متري، مدفوعًا بالنمو السكاني والطلب المتزايد من قطاعي الأغذية والأعلاف، في حين تراجعت المخزونات النهائية العالمية لتستقر عند نحو 275 مليون طن متري، وهو أدنى مستوى خلال المواسم الأخيرة، الأمر الذي يجعل الأسعار العالمية أكثر حساسية لأي تقلبات جوهرية في الدول الرئيسية المنتجة.
القمح في مصر خلال 2026
وأشار إلى أن الإنتاج المحلي المصري ارتفع ليسجل نحو 7.25 مليون طن متري، بينما تتراوح بعض التقديرات الرسمية بين 6.7 و7.25 مليون طن، نتيجة سياسات الدولة التحفيزية لشراء القمح من المزارعين بأسعار تشجيعية، إلى جانب التوسع في المشروعات الزراعية القومية.
وأضاف أن الاستهلاك المحلي يتجاوز 15.8 إلى 17.1 مليون طن متري، شاملاً الاستخدام الغذائي والعلفي والفاقد، بينما يبلغ حجم الاستيراد الفعلي خلال عام 2026 نحو 12.5 إلى 13 مليون طن متري، لتظل مصر واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم، مع اعتمادها على التعاقدات المباشرة والمناقصات لتأمين احتياجاتها الاستراتيجية.
سوق الفول العالمي والعدس في 2026
وأوضح صبحي أن الظروف الجوية المتطرفة أصبحت تتحكم بصورة كبيرة في خريطة إنتاج البقوليات خلال الموسم الجديد 2026/2027.
وفيما يتعلق بالفول الإنجليزي، أشار إلى أن التوقعات الصادرة عن مراكز الأبحاث الزراعية واتحادات المزارعين في المملكة المتحدة تشير إلى إنتاج يتراوح بين 400 ألف و450 ألف طن متري خلال موسم الحصاد في شهري سبتمبر وأكتوبر 2026.
وأضاف أن المحصول تعرض لتقلبات مناخية واضحة، حيث شهدت مناطق الزراعة أمطارًا غزيرة خلال الربيع، أعقبها ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة تراوح بين 29 و33 درجة مئوية بشرق إنجلترا، وهو ما أوجد ما يعرف بعلاوة مخاطر الطقس في عقود لندن، بينما ستظل الجودة النهائية للمحصول، سواء من حيث حجم الحبة أو اللون أو نسبة التالف، مرتبطة بالظروف الجوية حتى اكتمال الحصاد.
أستراليا والبلقان
وأشار إلى أن المزارعين في أستراليا دخلوا مرحلة من الارتياح النسبي بعد هطول أمطار منتظمة ووفيرة غطت أغلب الولايات المنتجة للفول والعدس، وهو ما يدفع التوقعات نحو إنتاج يدور حول المتوسط الجيد، مع انتظار بدء الحصاد خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2026.
وأضاف أن دول البلقان، مثل رومانيا وبلغاريا وليتوانيا، تتجه بقوة نحو توسيع إنتاج البقوليات وزيادة المساحات المزروعة، إلا أن البيانات الرسمية لا تزال غير مكتملة، ولن تتضح الصورة النهائية لحجم الإنتاج وجودته إلا مع بدء الحصاد خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2026.
وفيما يخص العدس، أوضح أن السوق العالمي يشهد حالة من الاستقرار مدعومة بإنتاج مستقر في كندا، باعتبارها أكبر مصدر عالمي، إلى جانب تحسن المساحات المزروعة في أستراليا، مع استمرار الطلب من أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فضلًا عن مساهمة انخفاض تكاليف النقل في استقرار أسعار التسليم بالموانئ.
السوق المصري في ضوء المتغيرات العالمية
وأكد "صبحي" أن السوق المصري يتمتع حاليًا بموقف آمن فيما يتعلق بمعروض الفول، حيث يمتلك رصيدًا كبيرًا من الفول الأسترالي وصل عبر سفن الشحن الصب إلى الموانئ المصرية، إضافة إلى وجود اتفاقات وعقود مستقبلية تؤمن احتياجات السوق المحلي لفترة تتراوح بين 3 و6 أشهر على الأقل.
وأضاف أن تراجع الدولار أمام الجنيه المصري، بالتوازي مع انخفاض أسعار النفط إلى حدود 70 دولارًا للبرميل، إلى جانب انخفاض تكاليف الشحن البحري، تمثل عوامل إيجابية متزامنة تخفض التكلفة النهائية لاستيراد الحبوب والبقوليات، بما ينعكس على أسعار الغذاء داخل السوق المصري.
وأشار إلى أن السوق المصري يترقب خلال الفترة المقبلة حصاد الفول الإنجليزي ودول البلقان خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2026، خاصة أن تقلبات الطقس في المملكة المتحدة قد تؤثر على جودة المحصول، وهو ما سيدفع المستورد المصري إلى متابعة فروق الأسعار ومستويات الجودة بعناية عند اتخاذ قرارات الشراء.
ولفت إلى أن تحسن الأحوال الجوية في أستراليا يضمن استمرار تدفق الإمدادات خلال المدى المتوسط والطويل، موضحًا أن موسم الحصاد الأسترالي الجديد في نوفمبر وديسمبر 2026 سيتزامن مع قرب انتهاء العقود الحالية التي تغطي نحو ستة أشهر، وهو ما يتيح للمستوردين المصريين بناء مراكز شرائية جديدة بأسعار أكثر توازنًا.