مصر تتخذ خطوات جادة لتعزيز الصادرات الزراعية وتنويع أسواقها في ظل التحديات العالمية
نعمل على تقليل الفاقد الزراعي وتحسين سلاسل التوريد لضمان وصول المنتجات للمستهلكين بجودة عالية
يشهد القطاع الزراعي المصري تحديات كبيرة في ظل التغيرات العالمية والمحلية، بدءًا من نقص المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج وصولًا إلى تأثير الأزمات الاقتصادية وضرورة تحقيق الأمن الغذائي.
ويسلط الدكتور عبدالوكيل محمد أبوطالب، القائم بأعمال مدير معهد بحوث الاقتصاد الزراعي، في هذا الحوار الضوء على أبرز الأبحاث التي يعمل عليها المعهد لمواجهة هذه التحديات، ويتناول سبل التعاون مع القطاع الخاص، والتحديات التي تواجه الاقتصاد الزراعي، والسياسات المطلوبة لدعم الصادرات الزراعية، وجهود الدولة لتحقيق الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، وإلى نص الحوار..
- بداية، ما أبرز الأبحاث التي يعمل عليها المعهد حاليًا في مجال الاقتصاد الزراعي؟
- يركز المعهد على الأبحاث التطبيقية ذات التأثير الاقتصادي المباشر على السياسة الزراعية، بحيث تواكب المتغيرات المحلية والعالمية، من خلال تحليل سلسلة القيمة المضافة لأهم المحاصيل الزراعية، بالإضافة إلى التسويق المحلي لها من خلال دراسة كيفية تحسين الإنتاج والتوزيع داخل السوق المصرية، وتقدير الأثر الاقتصادي للفاقد الإنتاجي والتسويقي للمحاصيل، إلى جانب دراسة تأثير المتغيرات العالمية على التجارة الخارجية الزراعية المصرية، مع التركيز على التكتلات الاقتصادية، مثل: البريكس، الميركسور، الاتحاد الأوروبي، والكوميسا، أيضًا تحليل الأسعار السوقية المحلية والعالمية، ومن جهة أخرى يعمل المعهد على دراسات تتعلق بالتغيرات المناخية وأثرها على قطاعات الإنتاج والتسويق، إضافة إلى دراسة البصمة الكربونية للمحاصيل، كما يهتم بتصنيف الأراضي الزراعية وتحديد قدرتها الإنتاجية، بهدف تعزيز الإنتاجية الزراعية.
- هل هناك تعاون بين المعهد والقطاع الخاص أو المستثمرين الزراعيين؟
- بالطبع، وذلك من خلال وحدة ذات طابع خاص داخل المعهد تقوم بإعداد دراسات اقتصادية للمستثمرين الزراعيين، كدراسات الجدوى الاقتصادية لمساعدتهم في اتخاذ قرارات استثمارية صحيحة، وإصدار الخريطة الاستثمارية التي تعرض الفرص الاستثمارية الزراعية في مختلف المحافظات المصرية، ويتم إتاحتها للمستثمرين بهدف توجيه استثماراتهم إلى المناطق الأكثر استدامة وربحية، إلى جانب إصدار نشرات شهرية متخصصة للمصدرين، وأهمها النشرة الشهرية الخاصة بالصادرات الزراعية المصرية التي تتضمن معلومات حول الفرص التصديرية للمحاصيل المختلفة وفترات التصدير المناسبة.
- ما أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الزراعي حاليًا، وما الحلول المقترحة؟
- يواجه القطاع الكثير من التحديات أبرزها نقص المياه اللازمة لتوسيع الرقعة الزراعية، كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي يمثل تحديًا كبيرًا، حيث يعتمد القطاع على استيراد بعض مستلزمات الإنتاج، الأمر الذي يزيد من الأعباء المالية على المزارعين، بالإضافة لغياب تطبيق الدورة الزراعية في الكثير من المناطق، بالإضافة إلى نقص كفاءة البنية التسويقية، سواء في أسواق الجملة أو التجزئة، وهو ما يسهم في زيادة الفاقد التسويقي، والذي يرتفع بشكل خاص في السلع سريعة التلف، كالخضر والفاكهة، وانخفاض أعداد العمالة الزراعية، واستخدام طرق الري التقليدية، كما أن ظاهرة ارتفاع ملوحة التربة في بعض المناطق بمحافظات كفر الشيخ والدقهلية والبحيرة، تشكل تهديدًا حقيقيًا للإنتاج الزراعي، إضافة إلى ذلك ارتفاع أسعار المحروقات والسلع الزراعية الإستراتيجية والتي تؤثر على تكاليف الإنتاج.
أما عن الحلول المقترحة، يجب التوسع في استخدام مياه الري المعالج، خصوصًا في زراعة محاصيل الأعلاف، وتطبيق نظم الري الحديثة مع إصدار تشريعات لتنظيم استخدامها، وتحسين البنية التسويقية من خلال تطوير أسواق الجملة والتجزئة، وتشجيع القطاع الخاص على إقامة أسواق حديثة بنظام حق الانتفاع، إلى جانب التوجه نحو إقامة شركات تسويق زراعي متخصصة، بالإضافة إلى إنشاء أسواق متخصصة للمزارعين تمكنهم من بيع منتجاتهم مباشرة دون وسطاء.
- ما السياسات المطلوبة لدعم تصدير المحاصيل المصرية إلى الأسواق الأوروبية؟
- تعد الأسواق الأوروبية من أهم الجهات للتصدير الزراعي المصري، وهناك سياسات عدَّة لزيادة الصادرات يجب اتباعها، يتعين توفير حاويات الشحن البحري والجوي المناسبة لنقل الخضر والفاكهة للاتحاد الأوروبي، ويعزز القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية في هذه الأسواق، أيضًا مراقبة جودة المنتجات الزراعية المصدرة، وهي خطوة بدأت مصر بالفعل في اتخاذها من خلال تكويد المزارع المصدرة، وذلك يضمن أن المنتجات الزراعية تلبي المعايير المطلوبة للأسواق الأوروبية، كما يجب التركيز على التصدير خلال الفترات المناسبة التي تتسم بالطلب العالي على المحاصيل، ويقوم المعهد بإصدار نشرات متخصصة تحدد النافذة التسويقية لكل سلعة وتوضح أفضل أوقات التصدير، مع الالتزام بمواصفات الجودة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المنتجات الزراعية المستوردة، علاوة على ذلك، يعد الترويج والتسويق أحد العوامل الرئيسية، ومن أبرز السياسات المتبعة في هذا المجال المشاركة في المعارض الدولية وإطلاق حملات إعلانية في دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تعظيم دور مكاتب التمثيل التجاري المصري في هذه الدول لزيادة الوعي بالمنتجات الزراعية المصرية، ومن جانب آخر، يجب دعم تمويل الصادرات الزراعية من خلال تقديم حوافز تسهل على المصدرين وتأمين التمويل اللازم لتغطية تكاليف الشحن، بالإضافة إلى توسيع قاعدة المصدرين من خلال فتح الفرص لدخول مستثمرين جدد إلى سوق التصدير الزراعي، بما يعزز القدرة التنافسية لمصر في الأسواق العالمية.
- كيف يمكن للمزارعين الصغار الدخول في منظومة التصدير؟
- من خلال إنشاء شركات تسويقية للتعاقد مع المزارعين على توريد إنتاجهم للتصدير، بالإضافة لتعريف المزارعين بالمواصفات القياسية للمنتجات المصدرة وتكويد المزارع الراغبة في التصدير، أيضًا يجب تنظيم دورات تدريبية للمزارعين حول قواعد التصدير، بالإضافة إلى التوسع في الاتفاقيات التجارية التي تمنح مزايا تفضيلية، وإنشاء جمعيات تسويقية للمزارعين لتسهيل دخولهم في سوق التصدير.
- كيف يمكن تطبيق مفهوم "الزراعة الذكية" لدعم المزارعين وزيادة الإنتاجية؟
- تعتبر الزراعة الذكية أحد الحلول الفعالة لزيادة الإنتاجية والتكيف مع التغيرات المناخية، من خلال تعريف المزارعين بمفهوم الزراعة الذكية وتوفير الدعم اللازم من خلال دورات تدريبية وورش عمل، كما يجب نشر التكنولوجيا الحديثة، خصوصًا بين صغار المزارعين، وتشجيعهم على استخدام النظم الحديثة في الزراعة، وتطوير أنظمة الرصد والتحكم عن بعد لمراقبة الظروف الجوية والتربة والمحاصيل، وتعزيز دور الإرشاد الزراعي لنقل ونشر مفهوم الزراعة الذكية بين المزارعين، كذلك يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الزراعية، بالإضافة لتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص والهيئات الدولية لتوسيع نطاق تطبيق التكنولوجيا الذكية.
- ما توقعاتكم لمستقبل الاقتصاد الزراعي المصري خلال السنوات المقبلة، وهل هناك سياسات جديدة ستطرحها الدولة لدعم الزراعة المستدامة؟
- تعمل الدولة على تطوير القطاع الزراعي من خلال مشاريع زراعية قومية ضخمة مثل: مشروع الـ1.5 مليون فدان، ومشروع الصوب الزراعية ومشروع شرق العوينات، والتي من المتوقع أن تسهم في زيادة الإنتاج الزراعي ودفع التنمية الزراعية، كما يشهد القطاع توسعًّا رأسيًّا من خلال استنباط أصناف جديدة من البذور والتقاوي التي تعزز الإنتاجية وتوفر المياه، وفيما يتعلق بالدعم المباشر للمزارعين، تسعى الدولة إلى توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي بأسعار مدعمة ووضع أسعار ضمان لشراء المنتجات الزراعية، وبالنسبة للزراعة المستدامة، تطرح الدولة سياسات جديدة، أبرزها التوسع في استخدام مياه الصرف المعالج في الزراعة، ما يسهم في توفير المياه، كما تركز على ترشيد استخدام مياه الري من خلال تبطين الترع والمصارف، وتطبيق نظم الري الحديثة، بالإضافة إلى أن الدولة تدعم الزراعة من أجل التصدير وتشجع فتح أسواق جديدة للمنتجات الزراعية المصرية، بالإضافة إلى تحسين الإرشاد الزراعي ورفع كفاءته، وتطبيق تكنولوجيا الحرث تحت التربة والتسوية بالليزر.
- هل هناك مبادرات حكومية أو شراكات مع مؤسسات مالية لدعم المزارعين؟
- تعمل الحكومة، من خلال وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، على دعم المزارعين عبر مبادرات تمويلية عدَّة، من أبرزها برنامج دعم المزارعين من خلال البنك الزراعي، الذي يوفر تمويلًا ميسرًا بفائدة 5% سنويًا لتمويل العمليات الإنتاجية المختلفة، كما أطلق البنك الزراعي مبادرة "باب رزق" لدعم المزارعين، وكذلك تم إنشاء صندوق التكافل الزراعي لدعم المزارعين في مواجهة المخاطر، بالإضافة إلى مبادرة حياة كريمة التي تهدف إلى تطوير الريف المصري وتحسين الظروف المعيشية للمزارعين.
- ما الخطوات المطلوبة لضمان الأمن الغذائي في ظل الأزمات العالمية؟
- تسعى الدولة لضمان الأمن الغذائي في ظل الأزمات العالمية من خلال تطوير البنية التحتية للتسويق والتخزين للمنتجات الزراعية، خصوصًا عبر التوسع في إنشاء الصوامع التخزينية الحديثة، كما يتم تحسين سلاسل الإمداد والتوسع في إنشاء المناطق اللوجستية على المستويين الإقليمي والدولي، وكذلك تعمل الدولة على زيادة المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية، مثل: القمح لتغطية احتياجات السوق لفترات تصل لـ 6 أشهر، وتشجع زراعة المحاصيل الإستراتيجية من خلال وضع أسعار ضمان تتماشى مع الأسعار العالمية، إلى جانب دعم المزارعين من خلال توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي بأسعار مدعمة، بالإضافة إلى العمل على التوسع الأفقي والرأسي لزيادة الإنتاج الزراعي، كما تطرح الدولة برامج لتقليل الفاقد الزراعي وزيادة المعروض من المنتجات الزراعية، وتعمل على تحفيز العودة للدورة الزراعية وتوفير الموارد المائية عبر استخدام مياه الصرف المعالج والمياه الجوفية، مع زيادة تفعيل نظام الزراعة التعاقدية في مجالات الإنتاج كافة، وتواصل الدولة أيضًا عقد الاتفاقيات التجارية التفضيلية مع دول العالم لضمان تأمين احتياجاتها من السلع المستوردة.
- هل هناك أبحاث حول تطوير سلاسل التوريد للحد من الفاقد الزراعي؟
- يعمل المعهد على إجراء أبحاث متخصصة حول سلاسل التوريد وتقدير الفاقد الزراعي، خصوصًا في محاصيل الخضر والفاكهة والحبوب، وتحدد الدراسات المراحل التي تزداد فيها معدلات الهدر، حيث تعتبر مرحلة البيع بالتجزئة هي الأكثر تضررًا من الفاقد بسبب عوامل عدَّة، مثل سوء مستوى العبوات ونقص البنية التسويقية، كما يسهم إعادة فرز المحاصيل من قبل تجار التجزئة في زيادة الفاقد.
- كيف يمكن لمصر تقليل اعتمادها على الاستيراد وزيادة الإنتاج المحلي؟
- من خلال محاور أساسية عدَّة أولها التوسع الزراعي الأفقي عبر زيادة المساحات المزروعة، وهو ما تنفذه الدولة من خلال مشاريع استصلاح الأراضي، كما يشمل ذلك التوسع الرأسي عبر رفع الإنتاجية الفدانية واستنباط أصناف عالية الإنتاجية، من خلال جهود مركز البحوث الزراعية، كما يتم التركيز على تقليل الفاقد التسويقي، وزيادة تفعيل نظام الزراعة التعاقدية في جميع مجالات الإنتاج النباتي والحيواني والسمكي، وتشجيع مشاريع التصنيع الزراعي وتوفير التمويل اللازم لها، كذلك يسهم زيادة الميزانية المخصصة للبحث العلمي خصوصًا في الأبحاث التطبيقية، في رفع الإنتاجية وتقليل الفاقد، ويجب أيضًا زيادة دور القطاع التعاوني الزراعي في دعم وتطوير الزراعة المصرية.
- كيف يمكن تطوير مهارات المزارعين في ظل التغيرات التكنولوجية؟
- من خلال تحسين كفاءة الإرشاد الزراعي وتطوير برامج إرشادية مميزة تسهم في توصيل نتائج البحث العلمي للمزارعين وتشجيعهم على تبني النظم الزراعية الحديثة، كما يجب التوسع في الدورات التدريبية وورش العمل الحقلية لرفع كفاءة المزارعين، إلى جانب ذلك، يعد إتاحة التمويل الزراعي الميسر من أهم الوسائل لدعم استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، وأيضًا يمكن توسيع دور البرامج الداعمة للمزارع المصري، مثل: "تكافل وكرامة" وغيرها من المبادرات التي تساعد صغار المزارعين على تحسين إنتاجهم الزراعي.
- كيف يمكن تشجيع الزراعة التعاقدية كوسيلة لضمان تسويق المحاصيل؟
- تعد الزراعة التعاقدية من الأدوات الأساسية لتطوير القطاع الزراعي وتحسين نظم التسويق المحلي وتقليل الفاقد التسويقي، ولتشجيعها يجب التوسع في المحاصيل التي تدخل ضمن هذا النظام، مع أهمية إضافة المحاصيل البستانية والألبان إلى منظومة الزراعة التعاقدية، إلى جانب المحاصيل الإستراتيجية الأساسية، ومن الضروري أيضًا وضع أسعار ضمان للمحاصيل المتعاقد عليها قبل بداية الموسم، والتأكد من أن هذه الأسعار متوافقة مع الأسعار العالمية، كما يجب أن تشمل العقود بين المزارعين والشركات المتعاقدة الشروط الفنية والمالية كافة، لضمان جودة الإنتاج ونجاح العملية التعاقدية، كذلك، يجب تكثيف ورش العمل المخصصة للمزارعين للتعريف بنظام الزراعة التعاقدية وأهميته في تحسين التسويق وضمان استدامة الإنتاج.