نحن نعيش اليوم في عالم تتشابك فيه الوجوه وتتعدد الأقنعة المزيفة، وربما نبذل الدهر كله في الإحسان إلى الناس، قريبين كانوا أو أصدقاء أو غرباء، ثم نتفاجأ بعد ذلك بالوجه الحقيقي عند أول اختبار. فالحقيقة أن الأقنعة لا تظهر أبداً في بدايات العلاقات، بل تسقط دائماً عند نهاياتها، وتتجلى لحظة الخلاف والخصام، أو عند توزيع الميراث، أو حين يرزق الله أحدنا نجاحاً وفضلاً يميزه عن غيره.
لقد ربّانا ديننا الحنيف على طهارة القلب والابتعاد عن هذه الصفات الذميمة، وحذرنا من صفات المنافقين الكبرى الذين يشتركون في ارتداء الأقنعة وازدواجية التعامل، كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"، وفي رواية: "وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". بل إن الله سبحانه وتعالى أنزل سورة كاملة باسم "المنافقون" ليذمّ الذين كانوا يظهرون وجهاً أمام النبي صلى الله عليه وسلم ثم ينقلبون بوجوه أخرى.
تماماً كعبد الله بن سلول رأس المنافقين حين قال: "ليخرجن الأعز منها الأذل"، فظهر على حقيقته، وسقط القناع، وتلك الصور ما زالت موجودة في عالمنا اليوم بأشكال مختلفة؛ فتجد صاحب القناع المزيف أمامك بشكل وخلفك بشكل آخر.
ورغم تعدد وجوه البشر. علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نحمي قلوبنا باختيار الصحبة الصالحة، فقال: "لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل من طعامك إلا تقي"، وقال أيضاً: "المسلم على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".
لذلك، علينا ألا نصطدم باختلاف الوجوه وألا نحزن إذا التقينا بها؛ فلا تحزن على إنسان تظن فيه الخير ثم انقلب على رأسه، بل افرح لأن الله سبحانه وتعالى يظهر لك هذه الأقنعة رحمةً بك وكفايةً لك من شرهم.
واعلم أن الأقنعة تزول والأخلاق باقية، فلا تحزن على فقد قناع مزيف، ومهما كانت الخسائر فكشف الأقنعة ومعرفة الناس على حقيقتهم هو المكسب الحقيقي حتى نعرف معادن الناس، لتجعل من كل قناع ساقط منحة ربانية تبصرك بمن تحب وتزيدك قرباً من الصادقين المخلصين."