الطلاق ليس نهاية طفل، بل بداية تحدٍ حقيقي لنفسيته واستقراره. بعد الانفصال، كثيرون يظنون أن "الرؤية" كافية لتعويض غياب الأب، لكن الحقيقة المؤلمة أن زيارة قصيرة في مكان بارد خالٍ من روح البيت لا تكفي لمنح الطفل شعور الأمان. الطفل ليس موعدًا في الأسبوع، ولا جلسة عابرة في نادٍ. ما يحتاجه فعلًا هو يوم يشعر فيه أنه ما زال ابنًا لبيت آخر، يأكل فيه من مائدة أبيه، ينام في غرفته، يسمع صوته قبل أن يغفو. هذا ما تمنحه "الاستضافة"، لا الرؤية. الأمر لا يتعلق بحقوق الأب فحسب، بل بحق الطفل في أن ينمو بجناحين: أب وأم. تقسيم وقت الحضانة بعدل لا يصنع توازنًا قانونيًا فقط، بل يصنع توازنًا نفسيًا، يخفف من ألم الفقد، ويمنح الطفل صورة مكتملة عن أسرته، حتى بعد الانفصال. ما نزرعه اليوم في نفوس أطفالنا، سيبقى في ذاكرتهم إلى الأبد. فإما أن نمنحهم طفولة آمنة، أو نتركهم يكبرون بجروح لا تندمل. في أروقة المحاكم، يقف أب يصرخ: "بعد الطلاق مش عارف أشوف ولادي". يحصل على حكم بالرؤية، ثم يصطدم بحقيقة أكثر قسوة: التنفيذ مؤلم، والمشاعر غائبة، والوقت لا يسع شوقه. وفي الجهة الأخرى، تحكي أم بحسرة: "مش قادرة أكمل حياتي... لو اتجوزت الحضانة هتتنقل". فتضطر للزواج العرفي، ليس حبًا في الخفاء، بل خوفًا من فقدان أطفالها في وضح النهار، بسبب قانون لا يمنحها حق أن تبدأ من جديد دون ثمن. وما هو أقسى من ذلك، حين تتحول مشاعر الأم إلى أداة للانتقام: "الأم بتكره الأولاد في أبوهم"... فتُمحى صورته من قلوبهم، لا لأنه غائب، بل لأن الحكايات شوهته، فكبروا وهم لا يعرفون إن كان يستحق الحب أو الخوف. وفي المقابل، هناك أمهات يرفعن رأسهن رغم الألم، لا يردن لأطفالهن أن يكونوا وقودًا لخلافات الكبار: "الأب مش بيصرف، لكن الأم رافضة توقف أولادها في وش أبوهم في المحكمة". لأنها ترى أن كرامة الطفل فوق الخلاف، وأن صورته عن والده أغلى من أي انتقام. وهناك أيضًا أمهات يجهدن في الصمت، يعملن ليلًا ونهارًا، يربين ويكدحن، وأحيانًا لا يجدن بدًا من ترك الأطفال عند الأب. لكن حين يتزوج الأب، تبدأ رحلة أخرى من المعاناة مع زوجة الأب، لتُفتح صفحة جديدة من الألم للطفل بلا ذنب. في خضم كل هذه التعقيدات، يبقى الطفل هو الضحية الأولى والأخيرة. لهذا، اليك وجه نظرى الرؤية وحدها لا تكفي. الاستضافة ليست ترفًا، بل ضرورة نفسية واجتماعية. يجب أن يعيش الطفل مع والده في بيته ولو ليوم، لا كزائر، بل كجزء من حياته. انصح كل أب وأم: لا تجعلوا من الطلاق سلاحًا يشهر في وجه الأطفال. لا تزرعوا الكراهية في قلوبهم تجاه من كان يومًا جزءًا من أسرته. فما يغرسه الكبار من مرارة، سيحصدونه يومًا في شكل عزلة أو تمرد أو ألم دفين. فلنترك صراعاتنا جانبًا، ولنجعل من الطلاق نهاية علاقة، لا بداية عداء. ولنمنح أطفالنا حياة هادئة، حتى لو لم نستطع أن نحياها نحن افشوا السلام... وصلوا الأرحام وصلو بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام