محمد صفوت

أزمة الطاقة والاقتصاد المائي: هكذا يروي بئر زمزم القصة

الأربعاء 22 يوليه 2026 -01:01
كان الماء منذ القدم من أهم الموارد التي تحرك الشعوب والقبائل، وله دور مركزي في قيام المجتمعات واستقرارها؛ وتعد مكة المكرمة نموذجاً واضحاً على ذلك، فعندما أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بأن يترك زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل عند البيت المحرم، نَفِد ماء السقاية فعطشت هاجر، فسعت صابرة بين الصفا والمروة سبعة أشواط تبحث عن الماء، حتى تفجر من تحت أقدام إسماعيل نبع طاهر مبارك سُمّي ببئر زمزم.
 
​بقيت هاجر وابنها عند البيت، وكانت السقاية لها، فمرت بها قبيلة جُرهم القادمة من اليمن فاستأذنوها في النزول، فأذنت لهم وجاوروها، وتعلَّم إسماعيل اللغة العربية منهم وصار فصيحاً بها.
 
 ومن هنا يُقسم العرب إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة كعاد وثمود الذين هلكوا بعقاب إلهي، وعرب عاربة وهم العرب القحطانيون الأصليون، وعرب مستعربة وهم الذين تعرَّبوا وتعلّموا اللغة العربية من ذرية إسماعيل عليه السلام.
 
​امتدت ذرية إسماعيل في تلك البقعة المباركة، وتوالت الأجيال حتى نشأت قبيلة خزاعة التي آلت إليها سيادة مكة وخدمة البيت مدة طويلة من الزمن، وبعدها ظهرت قبيلة قريش التي دخلت مكة بقوة ونازعت خزاعة في السيادة، وخلال تلك الصراعات والنزاعات أو بفعل تقادم الزمن، طُمست معالم بئر زمزم تماماً حتى غدا مكانها مجهولاً لا تعرفه قريش.
 
​ظل مكان البئر مختفياً إلى أن رأى عبد المطلب، جد النبي صلى الله عليه وسلم، رؤيا متكررة لأيام عدة يأمره فيها آتٍ بحفر البئر مستخدماً أسماء لها، فجاءه في الرؤيا من يقول له: "احفر طيبة"، فقال: وما طيبة؟ ثم قال: "احفر برة"، فقال: وما برة؟ ثم قال: "احفر المضنونة"، فقال: وما المضنونة؟ ثم قال في النهاية: "احفر زمزم".
​فلما سأل عن زمزم قيل له: لا يَزْمُ ماءها ولا ينقطع، تُسقى الحجيج الأعظم عند نقرة الغراب الأعصم بين الفرث والدم، وكانت قريش تعرف ذلك المكان جيداً بجوار مذبح الإبل التي تُهدى وتُذبح تقرباً لله عند الكعبة.
 
​ذهب عبد المطلب ومعه ابنه الوحيد الحارث في ذلك الوقت ليحفرا البئر.
 
 فاعترضت قريش ورفضت عمله خوفاً من أن يكسب عبد المطلب مكانة اقتصادية وشرفاً رفيعاً يؤثر على توازن القوى بينهم.
 
​وخلال تلك الفترة ، نذر عبد المطلب لله تعالى إن أكمل له عشرة من الأبناء رجالاً قادرين أن يذهب بهم لحفر مكان البئر أن يذبح أحدهم قرباناً لله عند الكعبه.
 
فلما تحققت أمنيته وتم له عشرة أبناء، وقعت القرعة لاحقاً على ابنه عبد الله فأراد الوفاء بنذره، ففُدي بمائة من الإبل.
 
​وواصل عبد المطلب وأولاده الحفر بعزم حتى ظهر الماء واستعاد الناس بئر زمزم.
​فحدث نزاع جديد بينه وبين قريش حول أحقية ملكية السقاية، فاحتكما إلى عرافة في الشام لكن تاهوا في الصحراء.
 
​فنبع الماء من تحت أقدم الفرس الذي كان يركبه جد النبي.
 
​فقالت قريش إثر ذلك معترفة بفضله: يا آل عبد المطلب، لقد استجيبت دعوتكم، ونلتم بركةً عظيمة من السماء، فهنيئًا لكم هذه الكرامة.
 
​تُبيّن هذه الحكاية التاريخية أن الماء لم يكن مجرد مورد طبيعي للري فحسب، بل كان محركاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً يؤدي دوراً حاسماً في استقرار المجتمعات ونشأتها ونزاعاتها.
 
​في الماضي لم تكن هناك أزمات طاقة معروفة اليوم إلا في تأمين الماء، أما في عصرنا الحاضر فقد ظهرت مصادر أخرى للطاقة غير الماء تتسبب في كثير من النزاعات والأحداث الجارية حولنا.
 
​ومع ذلك يظل قول الله تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حيّ" شاهداً أزلياً على أن الماء هو أساس الحياة والملاذ الأول للإنسان في أوقات السلم والنزاع والرخاء.