د. محمد أبو أحمد

لماذا لا يشعر المواطن المصري بثمار الإصلاح الاقتصادي؟

الإثنين 05 يناير 2026 -12:30
تستمر التقارير الدولية والبيانات الحكومية في مصر برسم صورة تبدو مشرقة للاقتصاد الكلي: احتياطي نقدي قوي، استقرار نسبي لسعر الصرف بعد التعويم، وتدفقات استثمار أجنبي ضخمة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الصارخة أن هذه الأرقام لا تترجم إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية للمواطن المصري.

إن الفجوة بين الأداء الكلي والواقع المعيشي تشكل أزمة ثقة عميقة وتحدياً وجودياً لاستدامة الإصلاح؛ فبدون التوازن بينهما يظل المواطن لا يشعر بأي تحسن في الأوضاع !!. مما لاشك فيه فإن الحكومة، نجحت في التعامل مع ملف السيولة الدولارية خلال عام 2025. وتمكنت من جذب استثمارات مباشرة كبيرة وأموال ساخنة، مما عزز الاحتياطي وقلل من الضغوط على الجنيه. هذا الاستقرار المالي ضروري، لكنه ليس كافياً.

السبب الجذري للمشكلة يكمن في: طبيعة النمو. النمو الاقتصادي المحقق في مصر غالباً ما يكون نمواً غير شامل .

هو نمو تقوده قطاعات معينة، كالعقارات والبنية التحتية والاستثمارات الأجنبية المباشرة في أصول محددة، ولكنه يفشل في توليد فرص عمل كافية وذات جودة عالية في قطاعات كثيفة العمالة كالقطاع الخاص الصناعي والزراعي.

وبالتالي، لا ينتج عنه زيادة حقيقية في دخل الأسر. كما أن معضلة التضخم التي بمثابة وحش صامت يكبت القوة الشرائية، يعتبر العدو الأول لجيب المواطن .

ورغم إعلان البنك المركزي عن تراجع معدلات التضخم السنوي، إلا أن هذا التراجع هو من قمة تاريخية ، وليس تراجعاً في الأسعار الفعلية.

ويمكن القول بأن الأسعار في مصر لا تعود إلى الوراء. فلا يشعر المواطن بالتحسن لأن مستويات الأسعار الحالية تظل مرتفعة جداً، مقارنة بما قبل الأزمة، بينما الأجور لم تتواكب مع الارتفاعات المتتالية. وهو ما يسبب ما يمكن أن نطلق عليه عجز الموازنة الأسرية.

فالتضخم يلتهم أية زيادات في الأجور الحكومية أو الخاصة، مما يضع الطبقة الوسطى تحت ضغط مالي غير مسبوق، ويدفع شرائح جديدة نحو خط الفقر.

الفائدة المرتفعة:

سياسة الفائدة المرتفعة لمكافحة التضخم، وإن كانت ضرورية، فهي تزيد من تكلفة الاقتراض للشركات وتكبح الاستثمار الحقيقي والإنتاج الذي يخلق فرص العمل .

إضافة إلى ثقل الدين وتزييف الموارد ما يجعل الاقتصاد المصري يعاني من عبء دين خارجي وداخلي ثقيل، ما يفرض تحدياً مزدوجاً على موازنة الدولة.

 استنزاف الإيرادات:

نسبة كبيرة من إيرادات الدولة تُخصص لخدمة الدين (دفع الفوائد والأقساط) هذا يقلل بشكل حاد من الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات الأساسية التي تلامس حياة المواطن مباشرة، مثل التعليم والصحة والدعم الاجتماعي الفعال.

أزمة الدعم:

لتخفيف عبء الموازنة، تتجه الحكومة نحو رفع الدعم تدريجياً عن الوقود والكهرباء والخبز.

ورغم أن هذا إصلاح هيكلي مطلوب، إلا أن تنفيذه في بيئة تضخمية يلقي بثقله مباشرة على المواطن كزيادات في تكلفة النقل والمعيشة.

كبح طموح القطاع الخاص .. لا يمكن للنمو أن يكون مستداماً أو شاملاً ما لم يكن القطاع الخاص هو محركه الرئيسي. التحدي هنا ليس فقط في البيروقراطية أو التشريعات، بل في: -

المنافسة غير المتكافئة: استمرار سيطرة الكيانات المملوكة للدولة، أو الكيانات المرتبطة بها، على مساحات واسعة من النشاط الاقتصادي، مما يضعف من قدرة القطاع الخاص على المنافسة والاستثمار.

 فقدان الثقة:

يؤدي استمرار الحكومة في المنافسة داخل قطاعات، كان يفترض أن ينسحب، منها لصالح القطاع الخاص (مثل البنية التحتية، الخدمات)، إلى إرسال رسائل سلبية بخصوص حيادية المنافسة.

القطاع الخاص هو الأكثر قدرة على التوظيف وخلق القيمة المضافة، وتقييد حركته هو تقييد لمستقبل المواطن.

الطريق إلى النمو الشامل إن الخروج من مأزق الفجوة بين الأرقام والواقع يتطلب تحولاً في الأولويات:

أولوية كبح التضخم: ليس فقط بالسياسات النقدية، بل بتعزيز الإنتاج المحلي (الزراعي والصناعي) لزيادة المعروض وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

إعادة توجيه الإنفاق:

تحويل جزء من الموارد المخصصة لخدمة الديون (عبر إعادة هيكلة الديون أو برامج الطروحات الناجحة) إلى برامج حماية اجتماعية موجهة وفعالة، وشبكات أمان تستهدف الأسر الأكثر تضرراً من الإصلاحات.

 تمكين حقيقي للقطاع الخاص:

تنفيذ سريع وجاد لبرنامج الطروحات والانسحاب من الأنشطة الاقتصادية، مع ضمان حيادية المنافسة لزيادة الاستثمار الخاص في قطاعات توظيف كثيفة.

باختصار، لن يشعر المواطن بثمار الإصلاح ما لم ينتقل التركيز من مجرد جذب الدولار إلى تحسين نوعية النمو الاقتصادي وجعله شاملاً، يحقق العدالة في توزيع عوائده على جميع شرائح المجتمع.