في وقتٍ تتأرجح فيه منطقة الشرق الأوسط فوق صفيحٍ ساخن بفعل آثار المواجهات العسكرية والوساطات المتعثرة، لا يمكن إغفال فرضية الانفراجة الدبلوماسية المفاجئة التي قد تفرض نفسها على طاولة مراكز الفكر والتحليل الاقتصادي.
ومما لا شك فيه، فإن التوصل إلى "اتفاق سلام شامل" أو تسوية مستدامة بين الولايات المتحدة وإيران، لن يكون مجرد حدث سياسي عابر، بل قد يمثل "صدمة إيجابية" كبرى قادرة على إعادة هندسة الاقتصاد العالمي المرهق، وتغيير مسار الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها مصر، من حالة التحوط والانكماش إلى آفاق الانتعاش والنمو المفتوح.
الركيزة الأولى لأي اتفاق سلام ستتمثل حتمًا في تأمين حرية الملاحة وإنهاء الإغلاق أو التهديدات المحيطة بمضيق هرمز. هذا التحول ستترتب عليه نتائج فورية وعميقة في سوق الطاقة العالمي.
من المتوقع أن يؤدي إعلان السلام إلى هبوط فوري وحاد في أسعار خام برنت، لتتخلى عن مستوياتها القياسية المرتفعة، التي تجاوزت 120 دولارًا للبرميل، متجهة نحو مستويات تعادلية مستقرة تتراوح بين 70 و75 دولارًا.
لذا، فإن عودة تدفق النفط والغاز المسال الخليجي، بما في ذلك شحنات "قطر للطاقة" التي واجهت ظروف القوة القاهرة، بانتظام إلى الأسواق، بالتزامن مع الرفع التدريجي للعقوبات عن الصادرات الإيرانية وضخ مخزونها في السوق، سيخلق فائضًا في المعروض ينهي المخاوف الدولية من شح الطاقة.
كما سيشهد العالم انخفاضًا في تكاليف التأمين على ناقلات النفط وسفن الحاويات العملاقة، وهو ما سيمثل تراجعًا دراماتيكيًا ينعكس مباشرة على أسعار السلع النهائية للمستهلكين حول العالم. على المستوى الكلي، سيمثل السلام صمام أمان لكسر حلقة "الركود التضخمي" التي تهدد القوى الاقتصادية الكبرى.
كبح جماح التضخم العالمي سيقود الاقتصادات الكبرى نحو التحول تجاه تيسير السياسة النقدية.
وسيدفع البنوك المركزية، وفي مقدمتها الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي، إلى التخلي عن سياسات التشدد النقدي، والبدء فورًا في جولات خفض أسعار الفائدة لتنشيط الأسواق وحماية معدلات النمو من الانكماش.
كما ستدفع تلك التحولات التدفقات النقدية الضخمة من الملاذات الآمنة التقليدية، مثل الذهب والدولار، للعودة بقوة نحو أسواق الأسهم والسندات العالمية، مدفوعة بزيادة شهية المخاطر لدى المستثمرين.
الاقتصاد المصري.. من عين العاصفة إلى قطف الثمار.
بالنسبة للدولة المصرية، التي تكافح لإدارة تداعيات الصراع القريب من حدودها وجغرافيتها الاقتصادية، فإن سيناريو السلام سيوفر متنفسًا استراتيجيًا كبيرًا يعيد صياغة المؤشرات الرئيسية على النحو التالي:-
القفزة الكبرى لعائدات قناة السويس تأمين الممرات المائية الإقليمية سيعني عودة خطوط الملاحة العالمية العملاقة فورًا إلى مسارها الطبيعي عبر قناة السويس، والتخلي عن طريق رأس الرجاء الصالح المكلف.
هذه العودة السريعة ستضمن تدفقًا قويًا ومستقرًا للنقد الأجنبي إلى الخزانة المصرية، بما يخفف الضغوط على الاحتياطي النقدي بشكل ملموس.
انفراجة تاريخية في الموازنة العامة هبوط أسعار النفط العالمية إلى مستويات السبعين دولارًا سيوفر مليارات الدولارات على الموازنة العامة للدولة، نتيجة انخفاض فاتورة استيراد المواد البترولية والسلع الأساسية.
هذا التراجع سيتيح للحكومة مساحة مالية مريحة لتقليص عجز الموازنة، وتوجيه الفوائض نحو الاستثمارات الهيكلية، وتحسين حزم الحماية الاجتماعية دون الضغط على مستويات الدين العام.
تراجع التضخم المحلي وموجة هبوط الفائدة الهدوء في أسعار السلع والشحن عالميًا سينعكس سريعًا على مؤشر أسعار المستهلكين في مصر "التضخم المستورد"، مما يسمح للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري بالبدء في دورة تيسير نقدي وخفض أسعار الفائدة.
هذا التحول سيخفض تكلفة الاقتراض على الشركات والقطاع الخاص، ويدفع عجلة الإنتاج المحلي والتشغيل إلى الأمام. استقرار إمدادات الغاز الإقليمية ونمو الصادرات السلام سيعزز استقرار تدفقات الغاز الإقليمية اللازمة لتشغيل المجمعات الصناعية ومحطات الكهرباء في مصر، مما يعيد للقاهرة دورها كمركز إقليمي لتداول الطاقة، ويفتح الباب مجددًا أمام تعظيم الصادرات البتروكيماوية والصناعية بأسعار تنافسية.