د. محمد أبو أحمد

تباين مسارات السياسات النقدية في البنوك العالمية يعيد رسم خريطة الأسواق

الأحد 13 سبتمبر 2026 -12:34
يشهد شهر سبتمبر الجاري حراكاً استثنائياً وغير مسبوق على صعيد السياسات النقدية الدولية؛ إذ سيشهد اجتماعات كبرى البنوك المركزية حول العالم وسط بيئة اقتصادية بالغة التعقيد تغذيها الضغوط التضخمية المتجددة، وتحديات أسواق الطاقة، والتوترات الجيوسياسية المستمرة في الشرق الأوسط.

هذا التباين الواضح في قراءة المؤشرات الاقتصادية بين ضفة وأخرى بدأ يخلق انقساماً حاداً في اتجاهات أسعار الفائدة العالمية، مما ينعكس بشكل مباشر على أسواق الصرف، وسندات الخزانة، وتكاليف الاقتراض للشركات والأفراد.

1. البنك المركزي الأوروبي :

تثبيت أقدام التشدد ورفع الفائدة في خطفتها الاستباقية حدثت خلال الأسبوع الماضي، حيث قرر مجلس حكام البنك المركزي الأوروبي رفع سعر الفائدة على الودائع بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 2.50%، مسجلاً بذلك ثاني زيادة من نوعها خلال العام الحالي وسط مخاوف حقيقية من استمرار صدمات أسعار الطاقة.

 حيث أشارت كريستين لاغارد رئيسة البنك، إلى أن التضخم في منطقة اليورو من المتوقع أن يستقر عند متوسط 3% خلال عام 2026، وهو ما يظل أعلى من المستهدفات الرسمية.

ويرى المحللون أن وصول سعر الفائدة إلى حاجز 2.50% يمثل الحد الأقصى للمدى المحايد، مما يعني دخول السياسة النقدية في مرحلة "تقييدية" صريحة لكبح جماح الأسعار، الأمر الذي قلص الفجوة السعرية بين الدولار واليورو وأعاد صياغة قوة العملة الأوروبية.

2. الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي :

تشهد الاسواق الامريكية حالة من الترقب والحذر وسط اختبار مفصلي للتضخم يترقب المجتمع المالي العالمي عن كثب اجتماع لجنة السوق المفتوحة بالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (المقرر عقده منتصف سبتمبر) وسط انقسام في التوقعات بين اتجاهات التثبيت أو التوجه نحو تيسير حذر، متأثراً ببيانات التضخم الأخيرة وسوق العمل.

وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمالات قائمة لتوجه الفيدرالي نحو تقييم استقرار الأسعار عند نطاق 3.63% لمعدلات الفائدة الفعلية.

ويقف الفيدرالي أمام مأزق حقيقي؛ فتقليص الفارق الشاسع في أسعار الفائدة مع البنك المركزي الأوروبي أدى إلى تراجع مؤشر الدولار وضغوط مستوردة على التضخم الأمريكي، مما يجعل أي قرار خفض متسرعًا بمثابة مغامرة غير محسوبة.

3. بنك إنجلترا :

مواجهة الضغوط المحلية والترقب القادم يدفع بنك إنجلترا، لمسار غير واضح مع  اقتراب عقد اجتماع لجنة السياسة النقدية وسط مؤشرات نمو شبه راكدة وتضخم يحوم فوق مستهدفات الـ 2%.

وتترقب الأسواق تثبيت الفائدة في الاجتماع الحالي مع بقاء الاحتمالات قوية لتحركات تشدُّدية قادمة (نحو زيادات محتملة في الشهور القليلة المقبلة) تماشيًا مع دورة تقليص ميزانية الأصول وبرامج التشديّد الكمي التي ينتهجها البنك لامتصاص السيولة الزائدة واحتواء التضخم الناتج عن تكاليف المعيشة.

4. بنك اليابان :

 يواصل البنك المركزي الياباني مراقبة تطورات الأجور والنمو العالمي بحذر شديد لضمان استقرار مسار التضخم الإيجابي الذي حققته البلاد مؤخراً بعد عقود من الانكماش.

وتشير التوقعات إلى استمرار تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية حول نطاق 1% مع إرساء إشارات واضحة تفيد بالاستمرار في تطبيع السياسة النقدية تدريجياً، متى ما ثبت استقرار معدلات نمو الأجور والطلب المحلي.

خلاصة المشهد:-

يعكس موسم اجتماعات سبتمبر 2026 حقيقة تفكك "المسار الموحد" للبنوك المركزية الكبرى؛ فبينما يضطر المركزي الأوروبي لمواصلة رفع الفائدة لمقاومة ضغوط الطاقة والتضخم المستورد، يقف الفيدرالي الأمريكي في مفترق طرق معقد يوازن فيه بين تباطؤ الاقتصاد المحلي وانكماش ميزة العائد للدولار.

هذا التباين يجعل من قرارات الشهر الجاري نقطة تحول كبرى لأسواق المال العالمية وعوائد السندات في المرحلة المقبلة.