تضع الحكومة المصرية اللمسات الأخيرة على خطة طموحة للتحول من نظام الدعم العيني "السلع التموينية" إلى الدعم النقدي، وهي خطوة يراها خبراء الاقتصاد نقلة نوعية في كفاءة الإنفاق، بينما ينظر إليها قطاع واسع من المواطنين والمراقبين بحذر شديد، خوفاً من انعكاساتها على قدرتهم الشرائية في ظل ضغوط تضخمية مستمرة.
ترى الحكومة أن الدعم العيني، رغم نجاحه تاريخياً في توفير أساسيات المعيشة، يعاني من "هدر" في منظومة التداول والنقل والفساد المحتمل.
تقول الحكومة أن الهدف من التحول إلى الدعم النقدي هو:-
منح المواطن حرية الاختيار: بدلاً من التقيد بسلاسل محددة، حيث ستمنح الحكومة المواطن "محفظة مالية" تمكنه من شراء احتياجاته الفعلية.
كفاءة الإنفاق: توجيه الموارد مباشرة إلى المستحقين وتقليل تكاليف الحلقات الوسيطة في توزيع السلع.
العدالة الاجتماعية: تقسيم المستفيدين إلى شرائح لضمان وصول الدعم الأكبر للفئات الأكثر احتياجاً.
المخاطر: لماذا يقلق المواطن؟..
تتجسد المخاوف الشعبية والبرلمانية في ثلاث نقاط رئيسية تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر:-
التضخم: يخشى المواطنون أن تتبخر قيمة المبلغ النقدي مع موجات ارتفاع الأسعار المتكررة، مما يجعل "المبلغ الثابت" عاجزاً عن شراء نفس كمية السلع التي كان يوفرها الدعم العيني.
خطر فقدان "الأمان السلعي": هناك تخوف من أن تحول السيولة النقدية قد يدفع الأسر، خاصة الأكثر احتياجاً، لإنفاقها في احتياجات غير غذائية، مما يهدد الأمن الغذائي للأطفال.
تحديات التنفيذ: أي خلل في المنظومة الرقمية أو تأخير في الصرف قد يعني انقطاع "شريان الحياة" للأسرة، وهو ما يتطلب بنية تحتية تقنية لا تقبل الخطأ.
لضمان نجاح هذا التحول دون المساس بكرامة أو حياة المواطن البسيط، أرى أن هناك ضرورة لتبني عدد من الآليات التالية:-
1- ربط الدعم بالتضخم: وضع آلية دورية لمراجعة وزيادة قيمة الدعم النقدي بما يتماشى مع معدلات التضخم الحقيقية في الأسواق، لضمان ثبات القوة الشرائية.
2- التدرج والنموذج الهجين: البدء بتطبيق تجريبي في محافظات محددة، أو الإبقاء على سلع استراتيجية (مثل الخبز) كدعم عيني جنباً إلى جنب مع الدعم النقدي للسلع الأخرى.
3- حوار مجتمعي شفاف: إشراك البرلمان والمجتمع المدني في صياغة المعايير لضمان الشفافية، وطمأنة المواطنين بأن التغيير ليس "رفعاً للدعم" بل "تطويراً لطريقة وصوله".
4- تفعيل الرقابة: تشديد الرقابة على الأسواق لمنع التلاعب في أسعار السلع الحرة، لضمان أن الأموال التي يتلقاها المواطن تحقق هدفها الفعلي في توفير الغذاء.
في المحصلة، لا يعد التحول إلى الدعم النقدي مجرد عملية تقنية لضبط الموازنة، بل هو اختبار لثقة المواطن في قدرة الدولة على حماية "قوته اليومي".
والخلاصة فإن النجاح في هذا الملف مرهون بقدرة الحكومة على تقديم "ضمانات ملموسة" بأن هذا التغيير سيجعل حياة المواطن أفضل، لا أكثر تعقيداً.