في اليوم العالمي للسلام، تتصاعد الشعارات البراقة وتعلو النداءات المعلبة، لكن الأرض العربية ما زالت تروي حكاية أخرى. حكاية دماء لا تجف، وآلام لا تندمل، وصرخات تعلو فوق كل خطاب سلام.من فلسطين التي تنزف منذ أكثر من سبعة عقود، إلى العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان، تمتد جغرافيا الألم العربي.
كيف لنا أن نحتفل بالسلام العالمي وأوطاننا تتحول إلى ساحات حرب مفتوحة؟ كما قال دوستويفسكي: "الجحيم هو عدم القدرة على الحب". وهذه هي معاناتنا الحقيقية - غياب الحب الإنساني والعدل الذي يُشعل نيران الحرب تلو الحرب. أما تولستوي فذهب إلى أبعد من ذلك حين رأى أن "السلام لا يعني غياب الحرب فقط، بل هو فضيلة وروح وقوة". وهذا بالضبط ما نفتقده في عالمنا العربي: سلامٌ يكون فضيلةً وروحاً وقوة.
لم يعد الأمر في فلسطين مجرد صراع سياسي، بل تحول إلى قضية إنسانية وأخلاقية تختبر ضمير البشرية جمعاء. أطفال يولدون تحت نير الاحتلال، وشباب يعيشون على هامش الحياة، وشيوخ ينتظرون عودةً قد لا يرونها. كما حذر جون كينيدي: "الإنسانية يجب أن تضع نهاية للحرب، وإلا ستضع الحرب نهاية للإنسانية". تحذيرٌ نعيشه كل يوم في واقعنا العربي.
قال جمال عبد الناصر: "وحدة الأمة العربية هي الطريق للقوة والتحرر". وكما رأى نيلسون مانديلا: "لا أحد يولد يكره إنساناً آخر... الناس يتعلمون الكراهية، وإذا كان بمقدورهم أن يتعلموا الكراهية، يمكن تعليمهم الحب". هذه هي الحكمة التي نفتقدها اليوم: الوحدة والحب كطريق وحيد نحو السلام الحقيقي.
السلام ليس مناسبة سنوية نحتفل بها، ولا ورقة تُوقع بين زعماء. السلام هو عدالة تُمنح، وكرامة تُصان، وحقوق تُرد. ما قيمة سلامٍ تظل تحته فلسطين تحت الاحتلال؟ وما معنى وحدة ونحن ممزقون بين حدود مصطنعة وولاءات مشتتة؟ كما قال أنور السادات: "الحرب ستظل وصمة عار على جبين الإنسانية ما لم نتعلم أن نتعايش في سلام".
ومع هذا، ما زلنا نورث الحروب لأبنائنا أكثر مما نورثهم الأمل. ليكن اليوم العالمي للسلام جرس إنذار يدق في ضمائرنا قبل أن يكون مناسبة للاحتفال. المستقبل لا يُبنى بالشعارات الجوفاء، بل بإرادة صادقة تعيد للأمة كرامتها، وتوحد صفوفها، وتمنح أبناءها حقهم في العيش بدون خوف.
فكما قال تشيخوف: "الحياة هناك حيث الحب، أما بدون حب فلا معنى للحياة". فلنعيد الحب إلى أوطاننا، ولنبدأ ببناء سلامنا الخاص، سلامٌ ينبع من عدالةٍ تامة، ووحدةٍ شاملة، وكرامةٍ إنسانية لا تنتهك. فإلى متى سنظل ننتظر سلاماً يأتينا من الخارج، بينما الحل في داخلنا؟ السؤال الذي ينتظر إجابة.
ahmedelmasry9980@gmail.com