«رفيق»: تأثير «خفض الفائدة» محدود وكان متوقعًا
السيولة تتجه من أسهم الأسمنت إلى الأدوية
«عبد الهادي»: «جذب الاستثمارات» يتطلب طروحات حكومية وحوافز ضريبية بجانب تراجع الفائدة
«رمسيس»: «الشباب» يشكلون 23% من المكودين ويتجهون لأسهم الأدوية والمطاحن
«عيد»: «الطروحات» الحكومية "قبلة الحياة" للبورصة وضمان لاستدامة الصعود
أثار قرار البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة 200 نقطة أساس في اجتماعه بنهاية أغسطس الماضي، تساؤلات حول مدى انعكاسه على البورصة المصرية، ورغم أن القرار يُعد إيجابيًا في جوهره، فإن تأثيره الفعلي يظل مرهونًا بالمحفزات الحكومية وثقة المستثمرين والأوضاع الجيوسياسية، ولا سيما أن رئيس البورصة الجديد الدكتور إسلام عزام ورئيس الهيئة العامة للرقابة المالية أكدا في اجتماعهما الأول أن الفترة المقبلة ستشهد مزيدًا من التنسيق لتعزيز جهود تطوير وتنمية سوق رأس المال، وأن الأولويات تتركز على رفع كفاءة السوق وتعميقه عبر إدخال أدوات جديدة، بجانب دعم مستويات السيولة وتعزيز التنافسية وضمان استقرار التعاملات وحماية المستثمرين، بما يرسخ الثقة ويدعم استدامة النشاط.
في هذا السياق، ناقشت «مجلة البوصلة الاقتصادية» خبراء سوق المال حول تأثيرات قرار خفض الفائدة، وذلك من خلال أربعة محاور رئيسية، وهم انتقال السيولة من الشهادات البنكية إلى الأسهم، القطاعات الأكثر استفادة، دور الأجانب والمؤسسات، وفرص تنشيط برنامج الطروحات ورؤية الأداء حتى نهاية 2025.
بداية.. قال مينا رفيق، مدير حسابات العملاء في شركة برايم لتداول الأوراق المالية وخبير أسواق المال، إن قرار خفض الفائدة من المفترض أن ينعكس إيجابًا على البورصة المصرية، لافتًا إلى أن تأثيره جاء محدودًا، حيث أن أغلب التوقعات كانت تُشير مسبقًا إلى الخفض، وقد تم بالفعل بنحو 200 نقطة أساس، أي ما يعادل 2%، ما جعل القرار غير مفاجئ للمتعاملين.
وأوضح أن السوق بطبيعته يسبق الأحداث ويبني تحركاته على التوقعات، لافتًا إلى أن الفائدة الحقيقية لا تزال مرتفعة، وهو ما يدفع السوق إلى انتظار مزيد من الخفض بوتيرة أسرع، مشيرًا إلى أن جذب السيولة بشكل فعّال يتطلب خفضًا إضافيًا للفائدة بالتوازي مع استقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، التي تثير مخاوف المستثمرين وتنعكس مباشرة على السوق.
وأشار إلى أن أكثر القطاعات المستفيدة من خفض الفائدة تتمثل في السلع الاستهلاكية والعقارات والخدمات المالية غير المصرفية، حيث تزداد جاذبيتها الاستثمارية مع تراجع التكاليف التمويلية، مضيفًا أن السيولة انتقلت مؤخرًا إلى قطاع الأسمنت، ومتوقعًا أن تتجه في الفترة المقبلة إلى قطاع الأدوية الذي حققت معظم شركاته معدلات ربحية مرتفعة نتيجة إعادة تسعير منتجاتها.
وذكر أن المستثمرين يفضلون أسهم النمو حيث أنها تتميز بآفاق مستقبلية قوية، فيما تظل الأسهم التوزيعية مهمة للمستثمر طويل الأجل، مما يجعل النوعين ضروريان للمحافظ الاستثمارية.
وأضاف أن الأجانب مع قرار خفض الفائدة الأخير اتجهوا إلى بيع أذون الخزانة والشراء في السندات وأدوات الدين الأطول أجلًا، وذلك بسبب استمرار ارتفاع الفائدة الحقيقية.
وبين أن المؤسسات المحلية تلعب دورًا محوريًا في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب، مشيرًا إلى أن الإقبال القوي من جانب الأجانب يرتبط بوضوح اتجاه المؤسسات المحلية نحو الشراء والاستثمار.
وتوقع أن يكون لخفض الفائدة أثر إيجابي في تنشيط برنامج الطروحات الحكومية، خصوصًا في ظل التزامات الإصلاح الهيكلي المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، مرجحًا أن تسعى الحكومة إلى تسريع وتيرة الطروحات سواء عبر بيع حصص لمستثمر استراتيجي أو من خلال البورصة المصرية، مؤكدًا أن السوق بحاجة إلى دخول شركات كبيرة لتعويض خروج بعض الكيانات البارزة التي تم شطبها مؤخرًا مثل شركة حديد عز.
من جهته قال الدكتور محمد عبد الهادي، خبير أسواق المال، إن هناك تناسبًا طرديًا بين خفض أسعار الفائدة وأداء البورصة المصرية، حيث يقارن المستثمر دائمًا بين عائد الاستثمار في الأسهم وعائد الشهادات البنكية، لافتًا إلى أنه إذا تجاوز عائد الأسهم نظيره البنكي، تتجه الاستثمارات نحو سوق الأوراق المالية، ولكن الأمر لا يتوقف على قرار خفض الفائدة وحده، بل يحتاج إلى توافر شروط إضافية داخل السوق، مثل تحقيق الشركات عوائد مجزية وتوزيعات نقدية جيدة.
وأوضح أن بعض القطاعات، مثل المطاحن والأدوية، سجلت عوائد قوية تراوحت بين 30 و35%، وهو ما يفوق العائد البنكي، بينما تبقى أسهم المضاربات أكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية من أسعار الفائدة.
ويرى أن خفض الفائدة بمفرده غير كافٍ لجذب السيولة، إذ يتطلب الأمر محفزات أساسية مثل تفعيل برنامج الطروحات الحكومية، وتقديم حوافز ضريبية، وزيادة دور المؤسسات مقارنة بالأفراد، بالإضافة إلى أهمية تعزيز ثقة وتوعية المستثمرين.
ولفت إلى أن المستثمر الجديد في البورصة غالبًا ما يبدأ بهدف تحقيق عائد يفوق الشهادات البنكية، لكنه سرعان ما يتحول إلى مضارب قصير الأجل باحثًا عن مكاسب سريعة، وهو ما يفسر عدم استقرار سلوك بعض المتعاملين.
وأفاد أن المستثمر الأجنبي يفضل الاستثمار في الأدوات الأكثر أمانًا مثل السندات وأذون الخزانة، باعتبارها أقل مخاطرة من الأسهم، لافتًا إلى أن حجم مشاركة الأجانب في البورصة المصرية محدود ولا يكون تأثيره ملموسًا إلا عند الاستحواذ على حصص استراتيجية في شركات مدرجة، مؤكدًا أن زيادة دور المؤسسات المحلية يمثل عنصرًا أساسيًا تعزيز كفاءة السوق، خاصة مع سيطرة الأفراد على نحو 80% من التداولات مقابل 20% فقط للمؤسسات.
في سياق متصل قالت حنان رمسيس، عضو مجلس إدارة شركة الحرية لتداول الأوراق المالية وخبيرة أسواق المال، إن المدخرين في الشهادات البنكية لم يحولوا أموالهم إلى البورصة المصرية بعد قرار خفض أسعار الفائدة، مشيرة إلى أن مدخر البنك يظل متمسكًا بالبنوك حتى مع انخفاض العائد، بسبب مخاوفه من مخاطر السوق، في حين يواصل المستثمر في البورصة استثماراته مهما ارتفعت المخاطر.
وأوضحت أن البورصة تفاعلت إيجابًا قبل قرار الخفض استنادًا إلى التوقعات المسبقة، حيث شهدت المؤسسات عمليات شراء رفعت المؤشرات بنسبة تراوحت بين 2 و5% في آخر أسبوع من أغسطس 2025، وحققت مكاسب سوقية بنحو 67 مليار جنيه.
وأكدت أن تراجع السوق بعد القرار كان نتيجة طبيعية لجني أرباح المؤسسات عقب استفادتها من السيولة التي تم ضخها قبل صدور القرار.
ولفتت إلى أن شريحة الشباب بين 20 و40 عامًا بدأت تتحول من شهادات الادخار إلى الاستثمار في البورصة، لترتفع نسبتهم إلى 23% من إجمالي المكودين، لافتة إلى أن بعض الشركات وخصوصًا في قطاعي الأدوية والمطاحن، حققت طفرات في أرباحها تجاوزت 70%، ما جذب مستثمرين جُدد يبحثون عن مكاسب سريعة، مشيرة إلى أن هؤلاء يفضلون الأسهم ذات التحركات السعرية القوية بغض النظر عن نتائج الأعمال، بينما لا ينجذبون كثيرًا إلى الأسهم التوزيعية.
وأضافت أن بعض المستثمرين اتجهوا إلى تنويع محافظهم بين الذهب والبورصة، ولكن بوتيرة محدودة بسبب الضغوط المعيشية والضرائب.
من جانبه قال حسام عيد، عضو مجلس إدارة شركة كابيتال فايننشال القابضة وخبير أسواق المال، إن تنويع وزيادة الأدوات المالية والمنتجات الاستثمارية في البورصة المصرية يعزز قدرتها التنافسية ويجعلها أكثر جذبًا لرؤوس الأموال، موضحًا أن نمو مساهمة القطاع غير المصرفي في الاقتصاد مرهون بزيادة هذه الأدوات التي تستقطب الاستثمارات غير المباشرة وتدعم النمو الاقتصادي.
وأضاف أن تحديث آليات التداول وإدخال منتجات مالية جديدة سينعكس إيجابًا على أداء السوق خلال الفترة المقبلة عبر زيادة التدفقات النقدية من جانب المؤسسات والمستثمرين الأفراد، وهو ما ينعكس في النهاية على الاقتصاد الكلي.
وأكد أن اتجاه البنك المركزي إلى سياسة التيسير النقدي في ظل تراجع التضخم قد يفتح المجال لمزيد من الخفض في أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، ما يدعم انتقال السيولة من أدوات الدخل الثابت إلى الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في مختلف القطاعات.
ويرى أن الإسراع في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية يمثل الحافز الأقوى لتنشيط السوق، لافتًا إلى أن الطروحات الجديدة هي "قبلة الحياة" لأي بورصة، وكلما زاد عدد الشركات القيادية المطروحة ارتفعت جاذبية السوق أمام المستثمرين المحليين والأجانب، مشيرًا إلى أن البرنامج الحكومي يشمل نحو 52 شركة في 18 قطاعًا تقريبًا، ما يمثل فرصة كبرى لجذب استثمارات عربية وأجنبية ضخمة، خاصة مع وجود شركات رائدة قادرة على استقطاب مشاركات واسعة ودفع المؤشرات لمستويات قياسية جديدة.