"سون اتزو" وإدارة الإصلاح الاقتصادى
الأربعاء 13 فبراير 2019 -02:51
تنفذ الحكومة المصرية برنامج الإصلاح الاقتصادي منذ سنة 2016 ورغم بعض النجاحات التي قد يكون البرنامج حققها فإن المشكلة الرئيسية تبقى في عدم شعور المواطن البسيط بثمار ذلك الإصلاح.

قد يكون ذلك قصورا من قبل بعض المسئولين، أو نتيجة زيادة مصاعب ومتطلبات الحياة وتطلعات الأجيال الجديدة والتي مما لا شك فيه؛ فإنها تطلعات مشروعة، فمن منا لا يحلم لنفسه ولأسرته بالأفضل!.

وبالتزامن مع معرض الكتاب الذي عقد مؤخراً في القاهرة وفي زيارة خاطفة قمت بها مع بعض الزملاء  لفت نظري أحد أبرز وأهم الكتب في التاريخ والذي طالما سمعت عنه، ولكن لم أكن قد نلت شرف قراءته، وهو كتاب فن الحرب لـ "سون أتزو".

وبالرغم من أن اسم الكتاب يوحي بأنه يتحدث فقط عن الحروب واستراتيجيتها، فإنه وبالعودة إلى كتاب "فن الحرب" فإن المتمعن فيه يستطيع أن يتأكد أن ما يحتويه  يمكن تطبيقه في عالم الاقتصاد والتجارة والسياسة، بل وحتى الرياضة أيضاً، فهو لا يركز على تحقيق النصر فحسب، بل أيضاً على تجنب الهزيمة وتقليل الخسائر بأكبر قدر ممكن، كما يشرح كيف يمكن أن يتحقق النصرُ مع تجنب الحرب؛ إذا كان ذلك ممكناً.

وبالعودة إلى ما تنفذه الحكومة من برامج إصلاح فإنني أنصح القائمين عليه بأن يطالعوا ذلك الكتاب؛ للاستفادة من منه في الإنجاز وتحديد الأهداف والخطط الاستراتيجية والعمل بدقة لتنفيذها ومحاسبة المقصرين لمنح الأمل للأجيال القادمة.

وفي هذا المقال عزيزي القارئ سوف نستعرض جزءا من ذلك الكتاب المؤلف منذ أكثر من خمسة وعشرين قرناً من الزمان والذي يعد من أهم وأفضل الكتب الاستراتيجية والحربية والعسكرية، ومازال من ضمن قائمة أهم مائة كتاب في التاريخ.

فالكُتب العسكرية مُهمة في السياسة كما قال "شارل ديجول"..  يومًا "قبل أن تتكلم عن السياسة انظر إلى الأطلس" .. فالحرب هي أم السياسة.

والاقتصاد هو القلب النابض والصراع الدائم بين الجميع فبدون التقدم الاقتصادي لا يبقى للسياسة أي تأُير أو اهتمام لدى الشعوب.

إن ما كتبه "سون أتزو" لا يمكن أن يكون ضرباً من الحظ وللمفارقة؛ فهو لم  يكن من محبي الحرب، ولم يكن يتصور الحرب كطريقة مُثلى لحل الخلافات، بل كان يرى أن الحوار والمفاوضات هي التي يجب أن تسود؛ لحل المشاكل بين الدول والأمم، ذكر ذلك صراحة في الكتاب رغم أنه كتاب للحرب وفنونها.

كان يرى أن النجاح الحقيقي في الحرب هو الفوز في المعركة بدون خسائر من الطرفين؛ ثم العمل على إحلال سلام مستديم قائم على المعاهدات والاتفاقيات الموثوق بها.

كان سون اتزو مواطنا وجندياً في مملكة "تشي" بالصين القديمة وبسبب ذيوع صيته وخبرته في فنون الحرب؛ أشار كبار القادة العسكريين على الملك "هوو لو" بأن يستعين به فطلب منه الملك أن يضع خلاصة تجاربه في كتاب فكان "فن الحرب" وبعدها قال له الملك لقد قرأت كتابك " فن الحرب " فهل يمكنني وضع نظرياتك التي كتبتها تحت اختبار بسيط؟

فأجابه بنعم واقترح أن تكون التجربة على جواري الملك فوافق وتم اختيار نحو 300 جارية من القصر، وقسمهن إلى مجموعتين؛ واختار على رأس كل مجموعة إحدى القادة وألبسهن الدروع وأمرهن بأن يتسلحن بالسيوف والحراب في أيديهن.

ثم قال:  "أتعلمن الفرق بين المقدمة والمؤخرة واليدين اليمنى واليسرى؟, فأجابته النسوة بنعم،  فقال لهن عندما أقرع الطبول وأطلب, انظرن أمامكن؛ عليكن النظر للأمام, وعندما أقرع الطبول وأقول: "درن لليسار" يجب عليكن الامتثال للأوامر, وكذلك الحال باتجاه أيديكن اليمني، وعندما أقرع الطبول وأقول: "درن للخلف" يجب عليكن الدوران باتجاه أيديكن اليمنى إلى ورائكن.

وبعد ذلك قام "سون أتزو" بإعداد الترتيبات وأعطى أوامره: "درن لليمين" لكن النساء انفجرن بالضحك ولم ينفذن الأمر.

فقال: " إذا كانت كلمات الأوامر غير واضحة ومميزة وغير مفهومة فيقع اللوم على القائد" , ثم أكمل فأعطى أوامره: "درن لليسار" , لكن النساء انفجرن بالضحك أيضاً ولم ينفذن الأمر.

فقال إذا كانت الأوامر واضحة ومميزة ومفهومة ولم ينفذ الجنود الأوامر؛ فالخطأ يقع على الجنود.

وكرر الأوامر ثلاث مرات وقرع الطبول بيديه، ولما لم يتم تنفيذ الأوامر أمر بإحضار القاضي العسكري وسأله في ساحة الميدان ما جزاء عصيان الأوامر العسكرية؟ فأجابه: العقاب فصل الرقاب, وعليه أمر "سون أتزو" بقطع رقبة قائدتي المجموعتين أمام النسوة.

وكان الملك يراقب ما يجرى، ولم يسره ما شاهده فأرسل وراء سون أتزو قائلاً لقد أصبحت واثقاً من قدرتك على التعامل مع الجنود، ولن يلذ لي طعام أو شراب من دون هاتين الجاريتين.

فرد على رسالة الملك.. "بتكليفكم لي قيادة قواتكم العسكرية هناك بعض أوامركم؛ لا يمكنني قبولها، وأنا تحت هذا التكليف"، واتخذ قراره وتم إعدام القائدتين أمام باقي النسوة؛ وعلى الفور تم تعيين أخريين ممن تليهما، بالحظوة لدى الملك وتم استئناف التدريب؛ فلم يضحك أحد؛ وتقدمت النسوة في التدريبات؛ وعلى قرع الطبول دون تلكؤ.

ثم أرسل "سون أتزو" إلى الملك قائلاً :  " لقد تم تدريب كل النسوة؛ وهن على أتم الاستعداد للاستعراض, ويمكنكم استخدامهن في أي غرض تشاؤنه, فرد عليه الملك: فليعد قائد الجيوش ولينهي التدريب, فلا رغبة عندي في استعراض النسوة.

عندها قال "سون أتزو" الملك مغرم فقط بالكلمات ولا يستطيع ترجمتها إلى أفعال, وبرغم غضب الملك من كلماته؛ لكنه عينه قائدا للجيوش؛ وأرسله ليحارب مملكة تشوف فهزمها وشق طريقه إلى عاصمتها؛ ثم إلى الشمال حيث زرع الخوف في الممالك المجاورة؛ ومن نصر إلى نصر حتى ذاع صيته وتوسعت المملكة بعد أن انتصر "سون اتزو" بجيش قوامه ثلاثون ألف جندي على جيش العدو قوامه مائتي ألف جندي، بسبب افتقار العدو إلى عنصري التنظيم والإدارة.

سون أتزو جعل من الحرب فناً، خدعة ودهاء.. تعليمات عسكرية صارمة وتكتيكات عبقرية وخططا ماكرة واقعية فذة، تفكير في أدق تفاصيل شئون الحرب، واغتنام كافة السبل والفرص المؤدية إلى النصر المؤزر في أية معركة بكيفية واقعية لا تخرج عن نطاق الممكن.. قد لا يهمه عدد الجنود داخل المعركة ولا قوة العدو ولا نوع الأسلحة ولا التضاريس التي تجرى فيها المعارك.. سون أتزو يفكر في النصر في كل المعارك التي يخوضها بوسائل عبقرية ناضجة وخطط محكمة وبديهة سريعة ترافق الاستعداد الذهني والبدني وتجعل الجيش بكامله في أقصى درجات التحدي والتأهب للمتغيرات والمفاجآت التي قد تحملها المعركة. كتاب "فن الحرب" لا يقتصر فقط على شرح كيفية تحقيق الانتصارات وإلحاق الهزيمة بالعدو فحسب، بل وحتى تجنب الهزيمة والوقوع في شرك العدو..

 


 

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015