ماذا بعد تحرير سعر الصرف و رفع اسعار الوقود ؟
السبت 05 نوفمبر 2016 -12:42
لا ينكر أحد أن الاسبوع الماضي كان من ادق الاسابيع علي مستوي الاقتصاد المصري فما بين مواجهة برلمانية خاضها رئيس الوزراء ثم قرارات قوية بالفعل تنتظر فقط التنفيذ في المجلس الاعلي للاستثمار برئاسة رئيس الجمهورية ثم قرار المركزي في ختام الاسبوع بتحرير سعر صرف الجنية المصري في خطوة وصفت بالفعل بانها غير مسبوقة ثم تحريك اسعار الوقود في ختام الاسبوع ثم حزمة قرارات اقتصادية اعلنها مجلس الوزراء لتخفيف اثار هذه الاجراءات نسبيا .
قد يختلف الكثيرون حول هذه الاجراءات و مدي امكانية تحمل الشارع المصري لتباعتها قصيرة الاجل الا ان الجميع حاليا مدرك و بقوة اننا كان يجب ان نتخذها ليس من اجل اليوم و لكن من اجل اصلاح خلل عميق في جدار الاقتصاد المصري و من اجل مستقبل افضل .
قرار تحريك اسعار الصرف
بالتاكيد جاء القرار مفاجيء و لكنة خلق واقعا جديدا نختبرة في مصر لاول مرة لهذا كانت حساسية التعامل مع القرار فالبنوك اصبحت الان هي المنوط بها التسعير و التقييم و التوفير للعملات الاجنبية وفقا لقوي العرض و الطلب السوقية و بالية الانتربنك التي سيشرف عليها البنك المركزي المصري كمنظم فقط و هو ما اربك الجميع فبهذه الخطوة نحن امام واقع ان السعر لن يكون ثابت و لن يكون هناك فئات تستفيد من التثبيت مقابل فئات اخري تتضرر منه .
بالتاكيد فانه عبر عقود طويلة فأن سياسة الحفاظ على قيمة الجنيه عملت على إرساء مبدأ استقرار اسمى للعملة الا إنها ايضا لها تأثير على زيادة تآكل القدرة التنافسية لمصر،حيث أن قوة الدولار الأمريكى و ارتفاع معدلات التضخم المحلى نتج عنهما ارتفاع حاد فى سعر صرف الجنيه الحقيقى بشكل فعال بالمقارنة بمتوسط النسبة منذ عشر سنوات.
كما إن استمرار التقلبات المتعددة فى أسعار صرف العملة المحلية فى مقابل العملات الأجنبية كان يمثل قلقاً مستمراً لدى أصحاب رؤوس الأموال الراغبين فى الاستثمار بمصر، بالاضافة الي أن هذه التقلبات تغير تقييمات الفرص الاستثمارية المتاحة كل حسب المجال الذى ينتمى له، ومدى ارتباط نشاطه سواء بالتصدير أو الاستيراد لهذا فإن أسعار صرف العملات الأجنبية فى السوق المحلية كانت التحدى الأكبر أمام المستثمرين الراغبين فى دخول مصر و هو ما دفع البنك المركزى الي زيادة مرونة سعر الصرف لضمان موازنة أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه من خلال الالية الجديدة.
لكن يجب التاكيد علي أن الجهاز المصرفي لن يعمل منفردا بعيدا عن الحكومة التى يجب علي الفور ان تضع برنامج لجذب الاستثمارات و اخر لتشجيع الصادرات و جذب السياحة فى ظل انخفاض قيمة الجنيه المصرى ، لتعويض نقص موارد العملة خاصة أن مصر دولة مستهلكة أكثر من وجود صناعات تغنى عن الاستيراد.
كذلك فهناك ضرورة لقيام البنوك بتفعيل قيام فروع البنوك المصرية المنتشرة فى جميع دول العالم، أو أى جهة مصرفية أجنبية أخرى خارج مصر، يراها البنك المركزى لجذب وتجميع وشراء مدخرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج ، حتى لا يتم استقدامها بطرق غير شرعية للمضاربة بها داخل مصر، ولمنع خلق سوق تحويلات موازية من جانب جهات مختلفة قد تستهدف الإضرار بالاقتصاد الوطنى مع الغاء اي رسوم للتحويلات من المصريين في الخارج الي مصر تشجيعا لهم كما انه يجب الاستمرار في تقديم محفزات لجذب استثمارات دولارية خارجية مثل طرح اراضي مشروع بين الوطن او مزارع مميزة ضمن مشروع استصلاح المليون و نصف المليون فدان.
نعيد التاكيد علي ان إجراءات البنك المركزي لن تكفي وحدها لمعالجة الازمة الاقتصادية ولابد من وجود سياسة مالية واستثمارية رشيدة و محفزة لمساعدة المتضررين من محدودي الدخل،بالإضافة الى ضرورة اصلاح اختلال هيكل ميزان المدفوعات الناجم عن خلل الميزان التجاري، وإعادة النظر في سياسة التصدير وتنافسية الصادرات المصرية.
الوضع الاقتصادي و تداعيات تغيرات اسعار الصرف
ان الاساس في الازمة الحالية سواء علي المستوي النقدي او الاقتصادي هو عدم قدرة الاقتصاد علي تنمية مواردة بالعملات الاجنبية مع تراجع موارد الدولة من السياحة و عدم نمو الاستثمارات الاجنبية المباشرة بصورة كافية و تراجع ايرادات الصادرات وكذلك ضعف الطاقات المتاحة لإنتاج سلع أساسية أهمها الغذاء مما يضطر الدولة لاستيرادها وأيضا اعتماد الكثير من الصناعات القائمة علي المدخلات المستوردة وضعف المكون المحلي بنسب متفاوتة.
و يستلزم علاج هذه المشكلات اقامة تنمية صناعية مستدامة في ظل هيكلة اقتصادية قد يمتد تنفيذها لعدة سنوات لاقامة صناعات للاحلال محل الواردات من ناحية و تنمية التصدير من ناحية اخري و تظهر بوادر هذه الاستراتيجية حاليا في استراتيجية تنمية و تمويل المشروعات الصغيرة و المتوسطة و اقامة تجمعات زراعية تصنيعية متكاملة ضمن مشروع استصلاح المليون و نصف المليون فدان .
انه من المفيد لتعظيم النتائج إتباع استراتيجية لسياسة نقدية مرنه تساهم فى تحقيق التنمية الإقتصادية فى قدرتها على تجميع فائض المدخرات من القطاعات الاقتصادية المختلفة لاعادة توظيف هذه المدخرات فى تمويل عمليات الاستثمار والتبادل التجارى مع ربط معدلات التوسع النقدى بمعدلات لنمو الدخل المحلى الاجمالى وتحقيق التوازن الداخلى والخارجى على السواء والمحافظة على استقرار سعر صرف حقيقى وأن تتواءم وتتفاعل ديناميكياً السياسة النقدية مع باقى السياسات الإقتصادية وتحقيق اهدافها بأقل اختلافات ممكنه وتحقيق اقصى ما يمكن من استفادة لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية من خلال إطار مؤسسى للدولة .
من منطلق ذلك يمكن البدء في اصلاح اقتصادي يعتمد علي حزمة من الاجراءات المتكاملة و المترابطة و التي تشمل :
* البدء في تدشين سياسات فعالة و حقيقية لترشيد استهلاك الطاقة بغرض توفير فاتورة واردات استهلاك الطاقة المرشحة للتصاعد مع وضع ضوابط فورية لعمليات الاستيراد و التصنيع المحلي لاي منتجات ذات استهلاك للطاقة لتخفيض معدلات الاستهلاك خاصة بالنسبة للسيارات و الاجهزة الكهربائية مثل التكييف و هو الاتجاة المطبق في اغلب دول العالم حاليا .
* ضرورة اعادة هيكلة منظومة الاستيراد و ما يتبعها من اعادة تنظيم لعمل هيئة الرقابة علي الصادرات و الواردات و التي تحتاج الي تعديلا تشريعيا عاجلا لمنحها حق الضبطية القضائية في اعمالها بالنسبة للتهريب للمنتجات الخاضعة لرقابة الهيئة و ان تشمل الضبطية القضائية اعمال الفرز و التحميل للاقماح علي وجة الخصوص مع دراسة استقلالية الهيئة عن وزارة الصناعة و ان تمارس عملها كجهاز رقابي مستقل الي جانب تفعيل دور هيئة المواصفات و الجودة .
* تدشين برنامج لطرح سندات دولية بالعملة الاجنبية اسوة بما قامت به الارجنتين و يمكن ان يتضمن هذا البرنامج ايضا طروحات لادوات مالية اخري مثل صكوك التمويل .
* طرح عددا من الشركات الكبري الرابحة في البورصة المصرية مع ان يشمل الطرح في اسواق مالية دولية ايضا لاجتذاب سيولة بالعملات الاجنبية تتراوح ما بين 2 : 5 مليار دولار خلال 3 اعوام .
* ضرورة تعديل اليات العمل في الموازنة العامة للدولة لاحكام الرقابة عليها مع وضع سقف واضح لعملية الانفاق و البدء في ترشيد حقيقي له بنسبة لا تقل عن 5- 10% سنويا من معدلات الانفاق خاصة في البنود التي يمكن تحقيق ذلك بها مثل الانفاق علي السلع و الخدمات .
* السيطرة بصورة اكبر علي المنافذ الجمركية للحد من عمليات التهريب او ادخال منتجات بصورة غير شرعية مع تامين المواني و المطارات للحد من عمليات تهريب النقد الاجنبي خاصة بالنسبة لمطار برج العرب .
* العمل بجدية و بالاستعانة بجهات متخصصة عالمية للترويج للسياحة في مصر فهناك ضرورة للترويج غير التقليدي للسياحة المصرية سواء من خلال الانترنت او التواجد في اماكن ترويج غير تقليدية بدول العالم كالمتاحف المتخصصة خاصة بالدول الاوروبية و الولايات المتحدة الامريكية مع ضرورة اعادة النظر في اسلوب الادارة و الخدمات اللوجستية للمناطق السياحية خاصة الاثرية لابراز الشكل و المضمون الحضاري المصري مع تنظيم حزم تشجيعية لليابان والصين ودول أمريكا الجنوبية (الأرجنتين والبرازيل) من خلال رحلات طيران عارض طويلة مباشرة بعد نجاح تجربة الصين في فبراير 2015 مع التركيز علي انواع جديدة مثل سياحة المؤتمرات و السياحية البيئية و سياحة الحوافز كما يجب ان يتم تنويع المنتج السياحى وتنمية قطاعات السياحة الترفيهية والشواطئ مع تشديد التأمين على المنشآت السياحية وتأكيد ذلك اعلاميا مما يشجع السائحين الأجانب على السفر مصر.
* العمل علي اعداد استراتيجية مبنية علي بيانات حقيقة لتحفيز الفلاح على زراعة الحبوب ودعمه وتعويضه عن فارق زراعة المحاصيل الأخرى الأكثر ربحية بالاضافة الى تحديد سعر توريد المحصول قبل زراعته وتوفير الأسمدة الكيميائية والتقاوى عالية الجودة للتشجيع علي زراعة المنتجات محليا بدلا من استيرادها من الخارج .
* ضرورة الاستمرار في سياسة الاحلال محل الواردات خاصة و أنه مع وصلت الواردات السلعية المصرية لنحوـ60 مليار دولار خاصة و ان هناك العديد من البنود السلعية المستوردة التى يمكن احلالها محلياً بهدف توفير العملة الأجنبية وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد المحلى من خلال آثر المضاعف على زيادة القدرة الانتاجية وحل لمشكلات البطالة وتوفير المواد اللازمة للانتاج .
* اعادة النظر في الاصول غير المستغلة لدي بعض الجهات الحكومية مثل الاراضي و المباني و المخازن و الجراجات و اتاحة استخدامها لجهات حكومية او قطاع خاص اخري في حاجة اليها .
* العمل على سرعة إستكمال جميع مشروعات الميكنة لإحكام الرقابة على مالية الدولة من إيرادات ومصروفات والإستغناء عن المكاتبات الورقية والشيكات البنكية الورقية والإستعاضة بالشيكات الإليكترونية لتخفيض تدخل العنصر البشرى فى عملية الصرف.
من ناحية اخري فان تطوير شبكة الحماية الاجتماعية يعتبر جزء لا يتجزأ من برنامج الاصلاح للتخفيف من تأثيرة علي محدودي الدخل مع استخدام ما يتم توفيرة في تحسين خدمات التعليم و الصحة و يتم ذلك من خلال رفع تدريجي للدعم مع التزام واضح من الحكومة بالرقابة علي الاسعار و استهداف مباشر لمحدودي و معدومي الدخل بالدعم من خلال تعويضات نقدية مباشرة لهذا فان تنقية شبكة الدعم المقدم من خلال الكروت الذكية يجب ان يبدء من خلال انشاء قاعدة بيانات موحدة للمواطنين مما سيحسن قدره الدولة ليس فقط علي ضبط مستحقي الدعم و لكن ايضا علي رفع جودة الخدمات العامة و الجهاز الاداري .
ان الطريق الوحيد للخروج من هذه الازمة هو انه “بدلا من إنكار التحديات القائمة يجب وضعها فى مكانها الصحيح والتعامل معها” فمعالجة المشكلات اصبحت ممكنة و الرؤية للمستقبل اصبحت اكثر رسوخا و اراداة الاصلاح هي ما تدفعنا الان للخروج من رحم هذه الازمة الاقتصادية لذلك فان انتهاء فترة التخبط الاقتصادي و التي يترقب الجميع الان انتهائها قريبا ترتبط في الاساس بقدرة الدولة علي تحقيق نمو قادر على استغلال الشباب، ومن ثم تحقيق النموذج الأمثل للنمو، والعدالة الاجتماعية و هو مرتبط بقدرة الحكومة السياسية والاقتصادية، وقدرتها على اتخاذ القرار السليم للخروج من الأزمة.
كيف نرشد الانفاق و نضبط الموازنة العامة للدولة ؟
ان البدء في سياسات ترشيد الانفاق في الوقت الحالي يعتبر خطوة هامة تساهم في تخفيض عجز الموازنة من ناحية و رفع فرص توجية موارد الدولة الي الانشطة الاولي بالرعاية خاصة التعليم و الصحة و تحسين معدلات تخصيص الموارد .
من منطلق ذلك فان ابرز البنود التي يمكن التوفير منها علي المدي القصير حاليا تخفيض الانفاق علي البعثات الخارجية و تخفيض عدد المستشارين في الجهاز الاداري للدولة و اعداد منظومة لادارة الانفاق الجاري للجهاز الحكومي و ترشيد الانفاق علي الطاقة و المياة باجهزة الدولة و رفع معدلات الصيانة للخفض من الاحتياج للاستبدال بمنتجات جديدة و ضبط منظومة الحوافز و المكافات و ربطها مباشرة بالانتاج موضحا انه يجب ترجمة خطة ترشيد الانفاق الحكومى إلى إجراءات تنفيذية بإصدار قرار تنفيذى، وذلك بهدف السيطرة على عجز الموازنة العامة للدولة، مع عدم المساس ببنود الموازنة مثل الأجور والاستثمارات، وباب المستلزامات السلعية والخدمية هو ما سيتم خفض جزء من الانفاق الحكومى به.
كما ان هناك ضرورة لتحويل و تغيير منهج اعداد الموازنة العامة للدولة الحالي للبدء في تطبيق موازنة البرامج و الاداء علي عددا من الجهات و الوزارات بالموازنة بما يربط ما بين تنفيذ الموازنة و ما بين مؤشرات الاداء الاقتصادي المستهدفة منها .
من الممكن تحقيق وفرا حقيقيا في حجم الدعم المدرج ضمن الموازنة اذا ما تم الترشيد في الياتة المستخدمة خاصة بالنسبة لربط منظومة الدعم بصورة متكاملة تتيح توجية الدعم لمستحقية و توفير الفاقد الناتج عن مشكلات عدم دقة البيانات و تكاملها و ترابطها مما يتيح انعكاسا افضل لمنظومة الدعم علي معيشة المواطنين المصريين .
يجب الاخذ في الاعتبار ان الموازنة العامة للدولة لازالت حتي الان تعكس ارتفاعا في عددا من بنود الانفاق مثل الأجور و مدفوعات خدمة الدين مما يقلص من مساحة الوفر المالي الذي كان من المفترض ان يوجة في الأساس الي الانفاق علي الصحة و التعليم و البحث العلمي و يرجع النمو في العجز بالموازنة بالاساس الي كونها تضمنت ايرادات مبالغ فيها عند اعداد مشروع الموازنة خاصة بالنسبة للايرادات الضريبية رغم التباطؤ الاقتصادي النسبي الذي تشهده البلاد لعوامل داخلية و خارجية مؤخرا .
كذلك فهناك ضرورة لتنويع مصادر التمويل التي تستخدمها وزارة المالية حاليا من خلال ادخال ادوات مالية جديدة تلقي اقبالا عالميا في التمويل مثل الصكوك السيادية كما انه يترتب عليها انخفاضا في اعباء خدمة الدين الحكومي لكونها تعتبر مشاركة في العوائد كما يجب التوسع في زيادة نسبة السندات متوسطة و طويلة الاجل الي اجمالي هيكل الدين العام لتخفيف الضغوط المالية قصيرة الاجل مع دراسة التوسع في تطبق نظام الدفعات الضريبية المقدمة بدلا من نظام سداد الضرائب دفعة واحدة سنويا مما سيوفر سيولة و موارد نقدية تخفف نسبيا من الحاجة للجواء الي الاقتراض في حدود السيولة التي ستتوافر من هذا التطبيق .
كما ان هناك ضرورة لدراسة التوسع في استخدام ادوات مالية مستحدثة مثل سندات المشاركة في الايرادات كجزء من الادوات التمويلية خاصة بالنسبة لمشروعات الموازنة الاستثمارية للدولة بما يخفض من اعباء خدمة الدين ( نرفق بكتابنا الدراسة السابق تقديمها من المجلس في هذا الخصوص ) موضحا أن تطوير سوق الدين المحلي في الوقت المناسب سيوفر مصدرا بديلا للتمويل بينما يدعم إدارة السيولة في البنوك كما ان ميزة استهداف فوائد الدين قبل الدعم هو تقليل الأثر التضخمي، لأن القاعدة السكانية للمتعاملين مع البنوك أصغر كثيرا من القاعدة التي ستتأثر برفع الدعم عن الوقود وما يصاحبه من ارتفاع عشوائي في أسعار السلع الأساسية خاصة النقل والغذاء.
الاستثمار كمحرك للنمو الاقتصادي
التوجة السابق يصتدم بعدة محاور علي راسها ان المنظومة التشريعية المتعلقة بمناخ الاستثمار و المرتبطة باجراءاته تحتاج الي عملية مراجعة شاملة بدء من ضرورة العمل علي التأسيس الاليكتروني للشركات و خفض فترة التأسيس و ضغط اجراءاته مرورا بتعديل في تشريعات تأسيس الشركات و اجراءاتها و ضوابط حوكمتها و خطوات انجز التعاقدات معها و الية تخصيص الاراضي و توصيل المرافق وصولا الي تصحيح المنظومة الضريبية و اعادة ضبط منظومة التخارج من السوق و قوانين الافلاس و وضع الية ناجزة لفض المنازعات الاستثمارية و يظل ابرز تعديل تشريعي مطلوب مراجعتة هو قانون الاستثمار الحالي بحيث يعكس رؤيتة الدولة المستقبلية للاستثمار و يتلافي العيوب التي ظهرت في التطبيق بعد التعديلات التي جرت علية في مارس 2015 و لم تنتج الاثار المتوقعة منها حتي الان خاصة في ظل عدم اطلاق خريطة واضحة للاستثمار في مصر .
و يجب الاخذ في الاعتبار ان النمو المحدود لمعدلات اجتذاب الاستثمارات الاجنبية المباشرة في مصر لا يعود فقط الي العوامل الجيوسياسية بالمنطقة او للازمة المالية العالمية التي تلوح في الافق فحسب بل ان الامر يتجاوز ذلك الي عوامل داخلية تتعلق بادارة مناخ الاستثمار و معالجة معوقاتة و القضاء علي التشابكات الادارية و طول فترة حسم الاجراءات الخاصة بالتراخيص و الموافقات رغم الجهود الاصلاحية التي تتم علي هذا المستوي لاحقا .
من ناحية اخري فان منظومة المشروعات الصغيرة و المتوسطة المسئولة عن رفع مستهدفات النمو الاقتصادي في الاساس تحتاج الي معالجة جذرية تضمن تنمية الاستثمارات في هذا القطاع و رفع درجة فاعليتة من خلال انشاء كيان مؤسسي متكامل وفقا لافضل الممارسات الدولية و يمثل أول نموذج في الشرق الأوسط لتنبي ريادة الأعمال وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يمكن من تعظيم دورها في التنمية الاقتصادية و خلق فرص عمل و زيادة الصادرات و هي الخطوات التي اعلنت الحكومة عن السعي لوضعها في قانون لتنظيم قطاع المشروعات الصغيرة و المتوسطة ضمن حزمة تعديلات تتضمن منظومة التراخيص و تخصيص الاراضي و المحفزات لتلك المشروعات مع انشاء منظومة متكاملة للبنية التكنولوجية لتاسيس و ادارة تلك المشروعات و الجاري اعدادها حاليا بعد مبادرة السيد رئيس الجمهورية لتمويل هذا القطاع بنحو 200 مليار جنيه علي مدار 4 أعوام
تنمية الصادرات
ان تنشيط الصادرات بصورة فعلية يجب ان يتم من خلال صورة متكاملة لمنظومة التصدير تبدء من تحديد المستهدفات التصديرية و العمل علي فتح اسواق جديدة بصورة متكاملة و ان يتم اتخاذ خطوات جادة لتسهيل خطوات نقل البضائع عن طريق انشاء شبكة طرق برية و نهرية و تدشين خطوط ملاحية و جوية منتظمة و اقامة مراكز لوجستية يمثل المحور الرئيسي لتنمية العلاقات الاقتصادية و التجارية بالاضافة الي وضع برنامج يحمل شعار ” التصدير اولا ” يشمل منظومة متكاملة لدعم الصادرات تساهم فعليا في تنشيط التصدير بالاضافة الي معالجة المشكلات الموجودة في عمليات الرد الضريبي الي جانب تحسين المواصفات القياسية المصرية في اسواق الصادرات مع السعي لزيادة الصادرات من الخدمات الي جانب الصادرات السلعية التي تقوم مصر بالتركيز علي تصديرها خلال الفترة الماضية .
كما يجب ان ترتبط استراتيجية الدولة بصورة اكبر بتوزيع المشروعات التنموية جغرافيا في ضوء مستويات البطالة في الريف خاصة بين الاناث فارتفاع معدلات البطالة بينهم تؤكد علي عدم استغلال لقدراتهم الاقتصادية لهذا فمشروعات مثل وظيفتك جنب بيتك بما ترتبط به من بعد جغرافي ستؤدي الي تحقيق هدف تخفيض البطالة و رفع معدلات التشغيل للاناث علي وجة الخصوص .
ان تنشيط الصادرات بصورة فعلية يجب ان يتم من خلال صورة متكاملة لمنظومة التصدير تبدء من تحديد المستهدفات التصديرية و العمل علي فتح اسواق جديدة بصورة متكاملة و ان يتم اتخاذ خطوات جادة لتسهيل خطوات نقل البضائع عن طريق انشاء شبكة طرق برية و نهرية و تدشين خطوط ملاحية و جوية منتظمة و اقامة مراكز لوجستية يمثل المحور الرئيسي لتنمية العلاقات الاقتصادية و التجارية بالاضافة الي وضع برنامج يحمل شعار ” التصدير اولا ” يشمل منظومة متكاملة لدعم الصادرات تساهم فعليا في تنشيط التصدير بالاضافة الي معالجة المشكلات الموجودة في عمليات الرد الضريبي الي جانب تحسين المواصفات القياسية المصرية في اسواق الصادرات مع السعي لزيادة الصادرات من الخدمات الي جانب الصادرات السلعية التي تقوم مصر بالتركيز علي تصديرها خلال الفترة الماضية كما يجب تحديد القطاعات التي ستطبق عليها المنظومة الجديدة من خلال تحديد الفرص الاستثمارية في كل قطاع و مدي امكانية رفع حجم صادراتة من خلال هذه المنظومة فقطاعات مثل الاسمدة يمكن ان تدرج ضمن المنظومة لفترة مؤقتة بهدف فتح اسواق جديدة فقط خاصة و انها لا تحتاج لمساندة تصديرية يمكن توجيهها الي قطاعات اخري .
علي مستوي اخر ففي ضوء الاجراءات الاخيرة سواء الحكومية او التي اتخذها البنك المركزي المصري فانه اصبح من الضروري اجراء تحليل حساسية شامل لتاثير تغيرات اسعار الصرف علي مؤشرات الاستثمار و علي التصدير و علي كلفة الواردات و التي لم تظهر حتي الان بصورة كاملة خاصة و انه من المرجح أن تحسن تغيرات اسعار الصرف الاخيرة من القدرة التنافسية التجارية لمصر فضلا عن أن إزالة القيود المفروضة على الإيداع الأجنبي بالعملة الأجنبية للأفراد ولمستوردى السلع الاساسية ستدعم احياء النشاط الاقتصادي والاستثماري.
التصخم في ظل نموذج النمو الحالي
ان القرارات الاخيرة علي اتخذتها الحكومة المصرية بدء من تحريك اسعار بعض الخدمات ( مثل الكهرباء ) او زيادة الضرائب علي الاستهلاك ( الضريبة علي القيمة المضافة ) و التي تعتبر جزء من اصلاح الموازنة العامة الا انها تزامنت مع ارتفاع معدلات التضخم في مصر في وقت تراجعت فية معدلات النمو الاقتصادي مما تسبب في ازدياد شعور المواطنين بالضغوط الاقتصادية و هو صحيح عمليا لعدة اسباب :
* ان نمو الاسعار ( التضخم ) لم يقابلة نمو في المدخولات الحقيقية للمواطنين نتيجة تراجع النمو الاقتصادي لاسباب عدة علي راسها ان الاستهلاك العام و الخاص لازال مستمرا في دفع حركة النشاط في مصر بشكل اساسي و الاجراءات الاخيرة و المرتقبة تحجم من معدلات الاستهلاك .
* ان المشكلات الهيكيلة و الاجرائية و التنفيذية في العديد من القطاعات لازالت كما هي خاصة في قطاعات الاقتصاد و لم تتخذ الحكومة المصرية خطوات جادة نحو معالجتها مما دفع المستثمرين الي التراجع عن ضخ استثمارات جديدة محليا .
يعود العامل الاساسي في هذا الارتفاع في التضخم في الاساس لزيادة اسعار العملات الاجنبية امام الجنية المصري و هو ما بدء ينعكس باثارة علي اسعار السلع في السوق المحلي خاصة مع وجود تحركات اولية لاسعار بعض السلع خاصة الغذائية في الاسواق المحلية .و نري انه يجب التحرك نحو سوق أكثر مرونة فيما يتعلق بنظام سعر الصرف. وهذا من شأنه تقليل الواردات والمساعدة فى زيادة الصادرات وجذب الإستثمارات الأجنبية المباشرة. ومن ثم لن تكون مصر بحاجة إلى مواصلة البحث عن التمويل الخارجى، للبقاء على الإحتياطى الأجنبى عند المستويات الآمنة لهذا فينبغى لمصر إعتماد سياسة نقدية تستهدف التضخم أولا، وهو ما يتيح مجموعة من المميزات تتمثل فى تخفيف الضغط على الإحتياطى الأجنبى وتعميق إصلاحات القطاع المالى وتعزيز الشفافية فيما يتعلق بعمليات البنك المركزى وتقليل الضغط علي السياسة النقدية .
من هذا المنطلق فان السبب الحقيقي للتضخم يعود الي عوامل داخلية تتمثل في ضعف الإنتاج المحلي لهذا نري ان الحل الأمثل فى محاربة التضخم هو زيادة الإنتاج ما يؤدى إلى خفض التكلفة الإنتاجية وزيادة المعروض من المنتجات وبالتالى خفض الأسعار و يستلزم ذلك تعميقا حقيقا للصناعة المصرية بالاضافة الي اصلاح منظومة المشروعات الصغيرة و المتوسطة بالاضافة الي ضرورة تحديد أهداف معينة للسياسات المالية والتحويلات الرسمية للبرامج الاجتماعية والمصروفات الرأسمالية فضلا عن إفساح المجال أمام مؤسسات القطاع الخاص لإقامة مشاريع البنية التحتية.
كما يعد انخفاض اداء منظومة التجارة الداخلية عاملا اخر لزيادة التضخم حيث تحتاج الي اعادة هيكلة شاملة سواء علي المستوي الفني او التنظيمي او التشريعي بما يشمل اصلاحات في الافكار و التطبيقات التي تعتمد عليها حيث يجب ان يتم تنظيم الاسواق لالغاء دور الوسطاء و تشديد اليات الرقابة و العقوبات لمنع حدوث تضخم غير عادي ناتج عن عدم الرقابة علي الاسواق و عدم تنظيمها .
و يعتبر اتاحة البيانات و المعلومات عن السلع و مدي توفرها و اسعارها للمواطنين و زيادة الرقابة علي الاسواق بالاضافة الي ضرورة توضيح الحكومة للاثر الحقيقي لاي اجراء اصلاحي للاقتصاد علي اسعار المنتجات من العوامل الداعمة للحد من زيادة معدلات التضخم .
من هنا فانه يعد احد اهم العناصر المطلوبة للاصلاح المؤسسي لمواجهة ارتفاع معدلات التضخم هو ترشيد الانفاق الحكومي و مراجعة اولوياتة لزيادة اثرة التنموي من ناحية و الحد من عجز الموازنة من ناحية اخري حيث تتاثر الكثير من بنود الموازنة العامة للدولة بتغيرات التضخم المحلي مما يستلزم اعادة النظر في اليات التعامل معة و تفعيل سياسات استهداف التضخم بصورة اكثر وضوحا مع اهمية قيام الحكومة في اطار ذلك باعداد دراسة متكاملة عن مدي تاثر بنود الموازنة العامة المختلفة بالتضخم و الاليات المطلوبة للتعامل مع ذلك في اطار خطة متكاملة تشمل ايضا مراجعة بنود الانفاق و الدعم .
كذلك فمن الضروري الحذر في اتخاذ اجراءات جديدة قد تؤثر علي معدلات التضخم في السوق المحلية قبل قياس اثرها المتوقع و اجراء تحليل حساسية لنتائجها علي معدلات الزيادة في التضخم محليا علي المديين القصير و المتوسط خاصة بالنسبة لقانون الضريبة علي القيمة المضافة و اي اعادة هيكلة جديدة للدعم كما ان اي ارتفاع اكبر فى مؤشر التضخم الأساسى وزيادة الضغوط المستقبلية يؤكد علي انه من الأهمية أن يوازن «المركزى» بين خطط تحفيز النمو ومحاصرة التضخم، للحد من الضغوط التضخمية المستقبلية نسبيا .
يجب التاكيد علي زيادة معدلات التضخم وبالتبعية أسعار الفائدة ستكون بمثابة مثبط إضافى للطلب المحلى، وهو ما يزيد حالة الركود فى الأسواق وتراجع الطلب والاستهلاك وهو ما يؤثر على معدلات النمو.
ضرورات التعامل مع الدين العام المتنامي في مصر
إن الدين العام لن يتوقف عن النمو طالما كان هناك عجز في الموازنة، وإن هذا العجز سيتحقق إلا إذا زادت المتحصلات الضريبية عن الإنفاق العام بأكبر من مدفوعات الفائدة على الدين القائم. وبصورة عامة كلما كان الدين العام كبيرا كلما زادت مدفوعات الفائدة ، ومع بقاء الأشياء الأخرى على حالها، كلما زاد عجز الموازنة.
وبهذا المنطق يتبين لنا أن الدين العام يغذي نفسه بنفسه، وكلما زاد حجمه كلما كان تخفيض حجم الإنفاق العام وزيادة المتحصلات الضريبية المطلوبة لضبط وإيقاف نمو هذا الدين أمرا صعبا ومؤلما، حتى يصل الأمر إلى نمو متسارع في الدين العام بصورة لا يمكن معها ضبطه أو التحكم فيه .
تمثل أدوات الدين المحلى نسبة متصاعدة من ودائع وحدات الجهاز المصرفى، فى الوقت الذى تراجعت فيه معدلات توظيف القروض إلى الودائع على مستوى القطاع ككل ، وهو الدور الرئيسى المعنى به البنوك كوسيط مالى لتوظيف ودائعها فى مشروعات تحقق قيمة مضافة لاقتصاد البلاد ،
على الرغم من استمرار وزارة المالية في زيادة السندات ذات الاجال المتوسطة في مقابل أذون الخزانة ذات الاجال قصيرة الاجل وبناء منحنى عائد لإصدارات الحكومة، من خلال اصدارات منتظمة لآجال مرجعية (1.5، 3، 5، 7، 10 سنوات) وإعادة فتحها لخلق سيولة في جانب المعروض من السندات؛ إلا أن نشاط السوق الثانوي لسندات الخزانة مازال ضعيفاً حيث يبلغ النشاط نسبة 1.1% من إجمالي الإصدار، وذلك حتى في ظل زيادة المعروض من الإصدارات بالإضافة إلى تركز المستثمرين في سندات الخزانة.
أحد أهم المشكلات فى عملية إعداد الموازنة أنها لا تتضمن وضع سقوف للإنفاق للقطاعات المختلفة التى تقدم موازناتها لوزارة المالية، وهو ما يتسبب فى عدم تحديد أوجه الإنفاق وأولوياته ، و نشير الي أن منشور الموازنة الذي يتم توزيعه على الجهات الموازنية لا يتضمن أي قواعد مالية لوضع حد أقصى للإنفاق، وعجز الموازنة، أو الاقتراض الحكومى، وهو ما ينتج عنه أن تعتمد عملية إعداد الموازنة على تفاوض الجهات الموازنية مع وزارة المالية لتحديد مخصصاتها والموازنات المقترحة من الجهات المختلفة.
الخلاصة
إن السياسة الاقتصادية المصرية بحاجة إلى إعادة توازن عاجل في ظل “ثالوث المخاطر” الذي يواجهها حاليا متمثلا في ارتفاع الديون وتدني نمو الإنتاجية وتناقص الأدوات المتاحة لدى البنك المركزي ، فهناك ثمة تطورات تبعث على القلق هي بمنزلة “ثالوث مخاطر” تستحق المراقبة.
تتركز المخاطر القائمة في ان نمو الإنتاجية متدن على غير المعتاد مما يلقي بظلاله على تحسن مستويات المعيشة في المستقبل , ومستويات الديون المحلية و الخارجية مرتفعة بشكل تاريخي مما يزيد المخاطر على الاستقرار المالي ومجال المناورة على صعيد السياسة النقدية ضيق بشكل ملحوظ .
من هذا المنطلق فانه لم يعد بوسع الاقتصاد المصري التعويل على نموذج النمو الحالي الذي وصل به إلى المفترق الحالي , لهذا توجد حاجة ملحة إلى إعادة موازنة السياسة الاقتصادية للانتقال إلى نمو أكثر قوة وتوازنا واستدامة , لذا فهناك ضرورة إلى التخلي عن نموذج النمو الذي أصابنا بتلك المعضلة كما انه من الضروري التخفيف عن كاهل السياسة النقدية التي ظلت مثقلة بالأعباء لفترة طويلة .
و يستدعي ذلك تعديلات جوهرية في توجهات السياسة المالية والنقدية على حد سواء. و اعادة تصميم السياسة المالية للتأقلم مع دورات الازدهار والكساد على نحو أكثر منهجية وأن تراقب السياسة النقدية تلك الدورات من زاوية المخاطر الشاملة للمحافظة على توازن الشق المالي من الاقتصاد.
CNA–  مقال بقلم ،،محسن عادل – نائب رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل و الاستثمار

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015