حروب الجيل الرابع والأمن القومى
الإثنين 25 مارس 2019 -03:04
 

الجيل الأول من الحروب هو الجيل الذى استخدمت فيه السيوف والرماح والسهام, والجيل الثانى هو الذى استخدمت فيه المدافع والبارود (مثل حروب نابليون), والجيل الثالث هو الذى استُخدمت فيه الطائرات والغواصات والصواريخ والتكنولوجيا(مثل الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب الخليج الأولى والثانية)، أما الجيل الرابع؛ وهو أحدث أنواع الحروب؛ فتُستخدم فيه القوة الناعمة (الإعلام ــ الأيدولوجيات ـ والأفكار ـ الاقتصاد ـ منظمات المجتمع المدنى ــ المعارضة ــ العمليات المخابراتية)، وينادى البسطاء بالديمقراطية؛ وهم لا يعلمون مفهومها, وينادون بالحريات؛ وعندما تسألهم عن معنى الحرية نجد غيابا تاما للمفهوم, أما حقوق الإنسان فنجد من ينادى بها هو الذى يهدرها، أما البسطاء فلا يعلمون معناها. 

ينشأ الجيل الرابع من الحروب فى بيئة داخلية تتميز بتجريف ثقافى؛ يدعمه الإرهاب ليبث فيها هذه الأيدولوجيات والأفكار؛ التى عادةً ما تكون طيبة فى ظاهرها, مع استخدام مكثف لإعلام موجه للتأثير فى البسطاء ومحدودي الثقافة. حيث انتشر خلال العقدين الأخيرين لإفشال الدول بالاستعانة بالقوة الناعمة (الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ـ التظاهرات ـ المسيرات ـ الإضرابات ) من خلال الفوضى والحملات النفسية والاحتجاجات والمطالبات (بالحريات والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان)، بغرض زعزعة الاستقرار لضرب الأمن القومى للدول. وعادةً ما ينفذ ذلك بصور متعددة، وفى الغالب تكون حميدة، أي ينفذها مواطنو الدولة المستهدفة لجعل جزء منها لا يخضع لسلطتها أو وجود مجموعات عنيفة تساعد على خلق تلك الدولة مع التآمر الخارجى مع أشخاص أو جهات من الداخل (وأحيانا عن جهل تام بالمساعى الحقيقية للجهة التى توفر الرعاية والدعم)، لأجل تسهيل عملية إكراه الدولة وإنهاكها، والنحر فيها من الداخل إلى أن تتآكل وتصاب بالعجز, وينتهى بها الأمر إلى الركوع والخضوع وإرغامها على تنفيذ إرادة أعدائها وتصبح دولة فاشلة, وهذا النوع من الحروب هو الذى ينفذ حالياً على المنطقة العربية، خاصة ًعلى مصر قلب الأمة العربية. وفى السياق يجب التعرض لشخصين: الأول هو ماكس مانوارنينج (أستاذ الاستراتيجية العسكرية فى كلية الحرب العليا الأمريكية)؛ والذى حضر مؤتمراً للأمن القومى فى أسرائيل فى أغسطس 2012 ، حيث قام بشرح هذا النوع من الحروب (ووضع حديثه كاملاً على جوجل) موضحاً فيه أن حروب الجيل الرابع تسعى لإكراه الدولة المستهدفة على القيام بما يراد منها دون تدخل عسكرى خارجى والهدف منها هو الإنهاك والتآكل ببطء، ولكن مع ثبات الدولة, وهى حروب غير مكلفة؛ وتؤدى إلى زعزعة الاستقرار؛ من خلال بث الفوضى إلى أقصى درجة ممكنة. والقوات المطلوبة قوات غير نظامية (رجال ـ نساء ـ أطفال) من مواطنى الدولة الهدف؛ فيقومون بزعزعة الاستقرار، مما يؤدى فى النهاية إلى خلق دولة فاشلة. توجد بها أقاليم كاملة لا تخضع لسيطرة الدولة (غير محكومة) تصبح نقطة ضعف فى جسد الدولة تستنزفها, مثال سوريا.. الثور تحولوا إلى جيش حر؛ ثم جهاديين, وبها مناطق محررة كريف حلب (إقليم غير محكوم)؛ وهذه هى فكرة الاستنزاف، ولكن من المستفيد فى النهاية!

وخلصت محاضرة ماكس مانوارنينج إلى أن فكرة خلق دولة فاشلة مزعزعة الاستقرار، ووجود جزء منها لا يخضع لسيطرتها أو وجود مجموعات عنيفة تساعد على خلقها، فهى عملية تنفذ ببطء وبهدوء كاف؛ وبشكل حميد باستخدام مواطنى الدولة.

أما الشخص الثانى فهو برناردلويس ولد عام 1916 فى لندن، وهو مستشرق بريطانى الأصل ـ يهودى الديانة ــ صهيونى الانتماء ـ أمريكى الجنسية ـ تخرج فى جامعة لندن 1936 وعمل مدرس فى قسم التاريخ بها كتب كل ما يسيىء للتاريخ الإسلامى معتمداً (الحشاشين ـ أصول الإسماعيلية ـ الرامطة ) حوالى 20 كتابا عن الشرق الأوسط. وهو صاحب نظرية الاحتواء المزدوج؛ حيث اعتبر أن العراق وإيران قوتان متعاظمتان بالمنطقة يجب احتوائهما.

وقد وفر الكثير من الذخيرة الأيدلوجية  لإدارة الرئيس بوش الابن فى قضايا الشرق الأوسط والحرب على الإرهاب وسياسة التدخل والهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية، حيث شارك فى صياغة استراتيجية الغزو الأمريكى للعراق. 

وفى مقابلة إعلامية له فى 20/5/2005 قال إن العرب والمسلمين فاسدون مفسدون وفوضويون, وإذا تركوا سوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتفوض المجتمعات الغربية. لذلك فإن الحل السليم هو تدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية وأنه من الضرورى إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية؛ ولا داع لمراعاة خواطرهم أو ردود أفعالهم. وتبلورت شخصية وفكر برنارد لويس فى أن أعداء العرب والإسلام ذو فكر وصوت مسموع، كما أنه صاحب أخطر مشروع ما يسمى "بالشرق الأوسط الجديد"، وهى فكرة قائمة، ومن يتجاهلها أو يسفهها هو واحد من ثلاث: إما جاهل بها أو ضليع فيها أو مستفيد منها. فالبداية تأتى بسرعة تحقيق الاستقرار بأى ثمن؛ وتوعية الشعوب الغربية وتثقيفها للإلمام بالمؤامرات التى تحيط بها، والمصير المظلم الذى ينتظرها؛ ما لم تفيق من غفلتها وتعيد ترتيب أولوياتها. 

ولما كان الأمن القومى الشامل هو الإجراءات التى تقوم بها الدولة لحمايتها من التهديدات والتحديات الداخلية والخارجية فى جميع المجالات (السياسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ العسكرية والأمنية) مع توفير أكبر قدر من الاستقرار لدفع عملية التنمية الشاملة للدولة لتحقيق أكبر قدر من الرفاهية. فالأمن القومى يساوى استقرار الدولة, بينما تشكل حالات عدم الاستقرار الناتجة عما يسمى بثورات الربيع العربى، بالإضافة إلى أن التهديدات والتحديات الاقتصادية أهم المؤثرات السلبية على الأمن القومى المصرى والعربى (ارتباطاً بتأثيراتها المتعددة على مؤشرات التنمية بتلك الدولة, وتعزيز قدرتها الشاملة فى المجالات).   

لعل أبلغ أمثلة حروب الجيل الرابع؛ هو ما حدث فى ثورات الربيع العربى؛ فالبيئة الاستراتيجية الداخلية بدول المنطقة العربية تكاد تكون واحدة (تجريف ثقافى ـ سواء توزيع للدخول والثورات ـ مشاكل اقتصادية ـ عدم تحقيق العدالة الاجتماعية).. إهدار للقيم ولحقوق الإنسان؛ ..) 

بالإضافة إلى أنظمة حاكمة ديكتاتورية فى إطار ديمقراطية زائقة, لقد استلزم رسم خريطة المنطقة العربية فى القرن العشرين حروباًعالمية كلفت الدولة الغربية الكثير من الأرواح والأموال, لذا فهي تسعى لإعادة رسم تلك الخريطة فى القرن الواحد والعشرين ليس فقط دون تكلفة؛ ولكن أيضأ بمزيد من المكاسب؛ وذلك من خلال تطبيق الجيل الرابع من الحروب. لقد تلاقت مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب على أرض المنطقة العربية, فإسرائيل دولة صغيرة متعددة, جربت أن تكون وسط مجموعة متماسكة من الدول؛ فكان ما جرى فى حرب 1973 والتى أصلحت الكثير، مما نتج عن حرب 1967 . 

مصر لا يمكنها بأى حال من الأحوال أن تقوم بما قامت به وتنجح فيه بمفردها دون مشاركة فاعلة ودعم عربى. لذا كى تقوم إسرائيل الكبرى؛ فإنه يلزم فك تماسك الدولة المحيطة بها، بل وتحويله إلى دويلات، أى تنفيذ فكر برنارد لويس بدءًا بالصومال ثم العراق؛ وهكذا من خلال ما أوضحه ماكس مانوارنينج (حروب الجيل الرابع) وهو ما أظهرته ثورات الربيع العربي وشاهدناه فى السودان وليبيا واليمن وغيرها . 

وحروب الجيل الرابع هى الوسيلة لتحقيق أهداف التقسيم وإعادة رسم الخريطة؛ فالسودان أصبحت رسمًيا سودانيين. وحالة عدم الاستقرار المؤثرة سلباً على الأمن القومى مازالت تعم المنطقة العربية، ولم تخسر إسرائيل أو أمريكا أو الغرب جنودًا أو أموالاً, بل تستفيد أمريكا والغرب اقتصادياً من خلال إعادة الإعمار والسيطرة على منابع وطرق عبور النفط والتجارة العالمية, بينما تكسب إسرائيل من نتائج إضعاف الدولة العربية. أما أمريكا فتستخدم أرخص الوسائل لتحقيق أهدافها؛ فهى صاحبة نظرية الاحتواء المزدوج التى دفعت بإيران والعراق إلى حرب طويلة؛ وهى التى شجعت صدام حسين على احتلال الكويت، ثم اضطررنا جميعاً للاستعانة بها لتحرير الكويت, فدخلت المنطقة لتبقى كل هذه الفترة وتزيد من تمزيق العراق وتستولى على ثرواته, وهى التى دعمت ثورات الربيع العربى؛ ثم جماعة الإخوان وخلقت داعش لتزيد من تمزيق الأمة العربية. فهى تستغل التاريخ والأحلام القديمة لتزيد من الشقاق وتنفيذ المخطط الاستراتيجى للتقسيم وإعادة رسم خريطة المنطقة العربية, وسوف تستغل إيران فى ذلك من خلال تدخلها فى شئون المنطقة برمتها . 

خلاصة ما سبق أن الإرادة الوطنية والتلاحم الوطنى هما مفتاح الخروج من الأزمات, فالحكومات يسهل أن تسقط والجيوش يمكن أن تُهزم, ولكن الشعوب يصعب أن تفنى، والشعب ذو الإرادة القوية لا يمكن أن يقهر .ويجب علينا جميعاً نحن العرب باختلاف انتماءاتنا وعقائدنا أن نعيد ترتيب أولوياتنا لنضع المصلحة الوطنية فوق مصالحنا الشخصية؛ فالبلاد المحروقة لن تنفع أحدا؛ ولنبتعد عن الشكليات ولنركز على جوهر المشكلات ونعيد صياغة المفاهيم والأهداف, متذكرين أن هدف هذه الحرب هو خلق دول فاشلة, فلنصلح سويا ما أفسده الدهر ولننطلق نحو مستقبل أكثر إشرافاً.    

فالعالم ــ الآن ـ يوشك أن يطوى الصفحات الأخيرة من العصر الذى مزقنه صراعات المصالح بين الشرق والغرب, وبين الشمال والجنوب, واشتعلت فيه النزاعات والحروب, بين الطبقات والشعوب, وزادت المخاطر التى تهدد الوجود الإنسانى, ويهدد الحياة على الأرض التى استخلفنا اللهُ عليها, وتأمل الإنسانية أن تنتقل من عصر الرشد إلى عصر الحكمة, لنبنى عالماً إنسانياً جديدا تسوده الحقيقة والعدل, وتُصان فيه الحريات وحقوق الإنسان, ونحن ـ المصريون ـ نرى فى ثورتنا عودة لإسهامنا فى كتابة تاريخ جديد للإنسانية . 

نحن نؤمن أننا قادرون أن نستلهم من الماضى وأن نستنهض الحاضر، وأن نشق الطريق إلى المستقبل. قادرون أن ننهض بالوطن وينهض بنا؛ نحن نؤمن أن لكل مواطن الحق فى العيش على أرض هذا الوطن فى أمن وأمان, وأن لكل مواطن حق فى يومه وفى غده . 

نحن نؤمن بالديمقراطية طريقاً ومستقبلًا وأسلوب حياة, وبالتعددية السياسية, وبالتداول السلمى للسلطة, ونؤكد حق الشعب فى صنع مستقبله, هو ـ وحده ـ مصدر السلطات.. الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية حق لكل مواطن, ولنا ولأجيالنا القادمة.. السيادة فى وطن سيد  

الخبير الاقتصادى

الدكتور حمادة صلاح صالح

خبير التقييم بالبنك المركزى المصرى

 





 

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015