التعاونيات الطريق الثالث للتنمية
الإثنين 11 مارس 2019 -06:05
تشير الأرقام إلى أن التعاونيات تشكل قطاعا ضخما فى الاقتصاد العالمى؛ حيث يقدر عدد أعضاء التعاونيات بحوالى أكثر من مليار شخص، وهناك أكثر من 100مليون منهم يعيشون من التعاونيات فى مجال التمويل الزراعى والإسكان والبيع بالتجزئة، وأن التضخم فى التعاونيات ظاهرة صحية؛ ورغم أن تجربة التعاونيات عرفتها جميع دول العالم، فإنها لم تنجح سوى فى بعض الدول، نظرا إلى أنها تجمع ما بين مميزات النظامين الرأسمالى والاشتراكى، إلا أن تلك الآليات التى يطرحها الطريق الثالث؛ الذى يعد بمثابة النظام الاقتصادى الجائع، والذى يأخذ من الرأسمالية حرية الملكية الفردية كما يأخذ من الاشتراكية توزيع عائد الملكية بشكل متعادل.


التعاونيات هى مؤسسات اقتصادية (إنتاجية أو خدمية) مستقلة ويملكها المشاركون بها. هؤلاء المشاركون هم إما مستهلكون أو منتجون أو عمال أو خليط من هذه الفئات. وتلبى المنشأة التعاونية بعض احتياجات المشاركين بها، وهم يديرونها بأنفسهم بشكل ديمقراطى. ويأتى رأس المال المستثمر فى المنشأة من المشاركين فيها أو من جزء من عائداتها، ويحتجز لأغراض التوسع والتطوير. 

وما يميز التعاونيات هو أنها بخلاف أنماط الاستثمار المختلفة؛ لا يكون تحقيق أكبر ربح ممكن على رأس قائمة أولوياتها، فما يجمع الأفراد المشاركين فى إنشائها هو احتياج مشترك إما لفرصة عمل أو لمجموعة من السلع أو الخدمات، وهذا بدوره يؤدى إلى ارتباط التعاونيات بالمجتمع الذى تنشأ فيه، حيث إن التوافق فى الاحتياجات المشتركة؛ يتوافر عادة فى إطار المجتمع المحلى بين أفراد يعرف بعضهم بعضا أو ينتمون لنفس الخلفية الاجتماعية. وهذا ما يجعل التعاونيات بديلا مثاليا لدفع التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الأكثر فقرا؛ فهى تنشأ استجابة لاحتياجات حقيقية للمجتمع، وتستخدم الموارد البشرية والمادية للمجتمع نفسه لتلبيتها؛ ثم هى تحتفظ بالعائد داخل المجتمع مما يؤدى إلى ازدياد قدرته.

 التعاونيات إذن نمط ناجح لتحقيق التنمية المستدامة والمقصود بها تنمية نتوقع لها أن تستمر فى التطور بدلا من الركود أو التدهور. إضافة إلى ذلك فالتعاونيات تتميز بقدر عال من المرونة فى مواجهة الأزمات الاقتصادية؛ مقارنة بأنماط الاستثمار الأخرى.

 التعاونيات أيضا هى تطبيق ناجح لنمط الإدارة الذاتية وإمكانات تطويرها من خلال التنسيق وتوحيد الجهود بين كيانات مستقلة بتفاصيل إدارتها الداخلية، فالتعاونيات تطرح نموذج الاتحادات الإقليمية والقطرية لجمع المنشآت ذات الأنشطة المتماثلة؛ أو التى يكمل بعضها بعضا ولا يقتصر دور مثل هذه الاتحادات على التنسيق وتبادل العون وإنما يُبنى على القدرات المجمعة لأعضائها لتحقيق مصالح إضافية لها.

ويمكن أيضا لأنواع مختلفة من الاتحادات التعاونية أن تتكامل فتسهم التعاونيات الاستهلاكية فى دعم نشأة تعاونيات إنتاجية تلبى احتياجاتها أو تدعم التعاونيات الإنتاجية إنشاء تعاونيات لتسويق أو توزيع منتجاتها مباشرة لا يقتصر دور التعاونيات على تنمية القدرات المادية للمجتمعات الفقيرة؛ مما يسهم فى إخراجها من حالة الفقر إلى وضع يسمح لها بالاعتماد على الذات ورفع مستويات معيشتها؛ وإنما هى تسهم أيضا فى تطوير الروابط الإنسانية المباشرة بين أفراد المجتمع وتقوية قيم التعاون به.

وهى تبث فى الناس شعورا بالأمان المتولد عن سيطرتهم المباشرة على عناصر مهمة من حياتهم اليومية؛ مثل العمل والحصول على السلع الأساسية وضمان توافر الأدوات الضرورية لاستمرارهم فى الإنتاج.. إلخ

 تفتح التعاونيات آفاقا رحبة للتنمية؛ خاصة فى بلد مثل مصر ويمكن تصور عدد لا حصر له من الأمثلة على المشكلات الحادة التى يعانى منها المجتمع المصرى والتى أثبتت التجربة عجز البيروقراطية الحكومية عن حلها وفشل القطاع الخاص عن ملء الفراغ الذى يخلفه انسحاب الدولة من التدخل فيها. من أمثلة ذلك مشاكل التخلص من القمامة وتحويلها إلى مصدر للدخل بدلا من كونها عبئا ومشاكل توفير السلع الأساسية للفقراء بين عدم القدرة على السيطرة على أسعارها حينا، وبين العجز عن ضمان أن يصل المدعوم منها إلى مستحقيه حينا آخر. أضف إلى هذا مشاكل الفلاحين وانهيار أى دور إيجابى للجمعيات الزراعية التى تسيطر الدولة على إدارتها وعدم امتداد دورها إلى الأراضى الجديدة، مما يترك مزارعيها فريسة سهلة لتضخم أسعار مستلزمات الإنتاج كالبذور والأسمدة والمبيدات.

إن أهم المعوقات التى تواجه التعاونيات؛ عدم وجود مصادر كافية لتمويل المشروعات التعاونية؛ كما أن التعاونيات لا تحتاج فقط إلى إطار اقتصادى معين، وإنما تحتاج إلى إطار اجتماعى وسياسى معينين لتحقيق أكبر استفادة ممكنة، وأن التمثيل السياسى للتعاونيات بالمجالس النيابية يمكن أن يشكل قوة قوية للفكر التعاونى على مستوى العالم فتحية لـ(عمر لطفى) الملقب برائد التعاونيات فى مصر.

فمصر الآن تمتلك بنية أساسية تعاونية ضخمة تتمثل فى13282 جمعية تعاونية تقريبا موزعة على خمسة أنواع تعاونية منها التعاونيات الاستهلاكية والإنتاجية والزراعية وتعاونيات الثروة المائية.

نتمنى أن يعود دور الجمعيات التعاونية الاستهلاكية من جديد فى إدارة الأزمات التى لحقت بالسلع الاستهلاكية ومواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار والسؤال الذي يطرح نفسه: أين دور الشركة القابضة للصناعات الغذائية فى الإصلاح الاقتصادى وتطوير الجمعيات الاستهلاكية فى المناطق ذات الكثافة العالية لتوفير احتياجات المواطنين من السلع الغذائية بأسعار الجملة. 

 ومع التوجه المصرى إلى الرأسمالية والخصخصة أو برنامج إدارة الأصول المملوكة للدولة وتعديل قانون التعاون الإسكانى، ستوفر الدولة بالتعاون مع الجيش؛

الذي يقوم حاليا بمواجهة الأزمات، السكن اللازم الملائم للمواطن المصرى الكادح البسيط. 

 

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015