العاصمة "الادارية" الجديدة و "البيوب"
الثلاثاء 22 مايو 2018 -05:16
 يرى البعض أن العاصمة الأدارية الجديدة ماهى  الا مجرد أستثماراعقاريا وأهدارا  لموارد مالية كان من الأجدى توجيهها للتعليم والصحة وباقى الخدمات الأجتماعية؟ بالتأكيد ربما يكون هؤلاء على حق اذا ما أقتصرت الرؤية على الأجل القصير وأستبعدنا مفهوم المدن الخالقة للثروة واهمية " البيوب" للمدن . أعتقد أنة بمزيد من التريث والتفكير فى الدور الهام الذى تلعبة المدن فى الأنعاش الأقتصادى لدولة بأكملها يمكننا أن نقدم مشروع العاصمة الأدارية الجديدة بصورة أكثر اقناعا من تلك التى يرى فيها البعض أنها مجرد أستثمارا فى الحديد والأسمنت. كيف يمكن أن تصبح تلك العاصمة  أكبر من  مجرد "ادارية"؟ ماهو مفهوم البيوب؟ وكيف يمكن الأستفادة منة ونحن بصدد تحقيق هذا المشروع الجديد؟   
ان المدن أستحوذت ولاتزال على أهمية خاصة فى التاريخ الأنسانى بدءا من العصور الوسطى مرورا بعصور النهضة  الى وقتنا الحالى. وظهرت تلك الأهمية  خلال العديد من فروع المعرفة :  الفلسفة, الأقتصاد و القانون. من خلال مفهوم المدينة الفاضلة (أفلاطون) ومفهوم التحضر الرأسى والحركة العمرانية الأيطالية والعودة الى مفهوم المدينة –الدولة . كما ظهر تخصص علمى متميز يهتم بالمدينة كما ظهر مصطلح "العمرانية أو الحضرية بفتح الضاد " فى فرنسا مع بداية القرن العشرين. ومن المتعارف علية أن مصطلح الحضر هو نقيض الريف وهنا يأتى التمييز بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية. كما أن من أكثر مايختص بة القرن الواحد والعشرون هو تنامى المناطق الحضرية مقابل أفول المناطق الريفية.  
 ولقد تعددت الصفات والمسميات التى اكتسبتها المدن عبر التاريخ  نذكر منها على سبيل المثال لاالحصر المدينة الفاضلة لصاحبها أفلاطون و المدينة الجديدة (بالقرب من عمان بالأردن) ، المدينة المخططة (مثل مدينة نافى مومباى المجاورة لمدينة مومباى الهندية، مدينة اسلام أباد الباكستانية والعاصمة الأميريكية واشنطن)  المدينة الخاصة، المدينة الذكية (  سيول بكوريا الجنوبية، دبى ومصدر فى الأمارات وفى مصر وبعض ضواحى باريس ولندن) ، المدينة المستدامة أو المدينة البيئية، هي مدينة صممت مع مراعاة الأثر البيئي،  المدينة الخطية  (نظرية المدينة الخطية للمخطط الأسباني ماتا 1822 م ) حتى أن هناك  أيضا المدينة الأسطورية والمدن المفقودة ( مدينة أركاديا , القياصرة والدورادو ...ألخ).  
 والمدن لاتتساوى فى أهميتها سواء داخل الدولة الواحدة أو بالمقارنة بنظيرتها فى الدول الأخرى كما أن هناك بعض المدن  تنافس فى أهميتها الدولة ذاتها كما انة من المتعارف علية أن المدينة "العاصمة" هى أكثر المدن أهمية داخل الدولة وان كان هناك بعض الأستثناءات من هذة القاعدة. 
وبوجة عام تتزايد أهمية المدن مع التوسع الحضرى المدفوع بزيادة عدد السكان. وطبقا لأحدث الأحصائيات السكانية سيصل عدد سكان العالم عام 2050 الى نحو 10 مليار نسمة  وسيصاحب ذلك زيادة فى حركة التحضر (العمرانية) من 53 % ( عام 2013 ) الى 65 % عام 2050 (مقابل 35 % من السكان الذين سيقطنون المناطق الريفية). 
ومن الملاحظ أرتفاع عدد المدن الكبرى ( التى تضم أكثر من 10 مليون نسمة). ففى عام 1950 لم يكن هناك سوى مدينتين كبيرتين فى العالم هما طوكيو ونيويورك. وقد أرتفع هذا العدد الى 5 مدن كبرى فقط فى عام 2011  والتى تقع كلها فى الجزء الشمالى من الكرة الأرضية.  وسيتزايد عدد المدن الكبرى ليصل الى 37 مدينة كبرى سيقع أغلبها فى جنوب الكرة الأرضية (خاصة فى أميريكا اللاتينية وآسيا).  
وتتميز تلك المدن الكبرى بأنها مركز للمعرفة وللأنتاج وخالقة للعمالة كما يوجد بها مقر الشركات المتعددة الجنسية. وهو مايمكن أن نصفها بالمدن الخالقة للثروة مثل المدن العملاقة فى الولايات المتحدة ، الصين ، اليابان، سنغافورة وكوريا الجنوبية. 
وتوجد عدة طرق لقياس الأهمية الأقتصادية لمدينة ما. 
واذا كانت المدن الأكثر أهمية فى العالم هى المدن الأكثر سكانا الا أن الأقتصاديون ياخذون فى الأعتبار مؤشرا أخرا لقياس أهمية المدن من الناحية الأقتصادية وهنا نعنى مؤشر " الناتج الحضرى الأجمالى" (بيوب)  الذى يقيس قدرة المدن على خلق الثروة.
 بعبارة أخرى فأن "البيوب"  يعادل الناتج المحلى الأجمالى  بالنسبة للدولة. وهو يقيس قيمة الثراء الذى تنتجة مدينة ما بالمقارنة بمدن أخرى. ومن المفترض أنة كلما كبر حجم المدينة كلما كان البيوب الخاص بها كبيرا.
 وعلى الرغم من وجود علاقة قوية بين عدد السكان فى مدينة معينة وحجم البيوب الخاص بها الا أنة هناك بعض الأستثناءات فعلى سبيل المثال اذا كانت طوكيو المدينة الأكثر سكانا وتحتل المكانة الأولى بالنسبة لقيمة ناتجها الحضرى  ( 35 مليون نسمة ونحو 1300 مليار دولار قيمة البيوب الخاص بها) فأن المكسيك تحتل المكانة الثانية من حيث عدد السكان بع طوكيو الا أنها تحتل المرتبة السابعة بالنسبة للبيوب الخاص بها  بعد مدينة باريس. 
وطبقا لتصنيف الماستر كارت لعينة من 75 مدينة يتم تصنيفها طبقا ل 70 مؤشر مختلف يمكن تجميعها تحت سبعة معايير :  الشفافية السياسية والقانونية – أستقرار مؤشرات الأقتصاد الكلى – سهولة مزاولة الأعمال – التدفقات المالية – تدفقات الأفراد والسلع – التدفقات المعلوماتية – جودة الحياة (معيار بيئى).   
ولاشك أن ترتيب المدن يختلف بحسب كل معيار من تلك المعايير. فعلى سبيل المثال تحتل  مدينة هونج كونج الصدارة كمركز للأعمال على حين تحتل مدينة فافكوفر الصدارة بالنسبة لمعيار جودة الحياة. أما فيما يتعلق بمعيار التدفقات المالية والمعلوماتية تأنى لندن فى المرتبة الأولى. 
ويعنى ذلك انة لاتوجد مدينة وحيدة تحتل المرتبة الأولى طبقا لكل المعايير السبعة السابقة.
وهناك تصنيفا أخر طبقا لمركز الدراسات حول العولمة والمدن العالمية (جاى دوبل يو سى) فى جامعة لوفبرا فى المملكة المتحدة . حيث يحدد أماكن تواجد مائة شركة عالمية فى مجال الخدمات فى 315 مدينة عالمية. وطبقا لهذا التصنيف تأتى نيويورك فى المرتبة الأولى تليها لندن وهونج كونج ثم باريس. 
وطبقا لمؤشر البيوب تحتل مدينة طوكيو المرتبة الأولى (1617 مليار دولار) تليها مدينة نيويورك (1403 مليار دولار) ثم سيول (860 مليار دولار) تليها لندن (836 مليار دولار) وابوظبى (178 مليار دولار ) الكويت (166 مليار دولار) ثم الرياض (163 مليار دولار). ومن الجدير بالذكر أن البيوب لبعض المدن يمكن أن يفوق الناتج المحلى الأجمالى لبعض الدول. فالبيوب لمدينة شينهغاى بلغ عام 2010 نحو 250 مليار دولار وهو مايفوق الناتج الأجمالى المحلى لدولة مثل فنلندا  ومايعادل الناتج المحلى لمصر (2015) وخمسة أضعاف نظيرة فى تونس (2014). كما أن البيوب الخاص بمدينة طوكيو يعادل الناتج المحلى الأجمالى لدولة المكسيك  (2016) 
ويرتبط البيوب بمصطلح المدينىة الشاملة الذى طرحتة السيدة ساسكيا ساسيين (المتخصصة فى علم الأجتماع) والتى أقترحت تقسيم المدينة الى عدة أحياء أو تجمعات كالأتى : تجمع يضم الوظائف عالية التأهيل فى مجال التمويل ، البنوك، المحاسبة بالأضافة الى العدالة. ويضم التجمع الثانى تلك الوظائف التى تقوم على خدمة التجمع الأول (فى المطاعم ، الفنادق والشرطة) والتجمع الثالث يضم الخدمات السياحية أما التجمع الرابع فيضم النشاط الصناعى الذى تقوم التجمعات الثلاثة السابقة على خدمتة. وياتى التجمع الخامس الذى يضم المؤسسات العامة والتعليم والبحث العلمى . وفى النهاية يأتى التجمع السادس الذى يضم الأنشطة غير الرسمية والمهشة ( أى التجمع غير الرسمى)
 أعتقد أنة بمزيد من التريث والتفكير فى الدور الهام الذى تلعبة المدن فى الأنعاش الأقتصادى لدولة بأكملها يمكننا أن ننقل مشروع العاصمة الأدارية الجديدة بصورة أكثر اقناعا من تلك التى يرى فيها البعض أنها مجرد أستثمارا فى الحديد والأسمنت. كيف يمكن تحقيق ذلك ؟ هذا ماسنتناولة فى المقالة القادمة   
دكتور عادل مهنى 
أستاذ الأقتصاد الدولى بالجامعة الأوروبية للأعمال بباريس 
Aemdde1@gmail.com

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015