مجموعة العشرين والحوكمة العالمية
الخميس 24 مايو 2018 -11:11
عقد في بوينس ايرس قبل عدة أيام اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين وذلك في إطار سلسلة من الاجتماعات لمختلف مسئولي ولجان المجموعة وصولا لعقد قمة قادة المجموعة يومي 30 نوفمبر و 1 ديسمبر المقبلين في الأرجنتين.

وشهدت اجتماعات وزراء الخارجية التطرق لعدة مواضيع هامة فرضتها التطورات الاقتصادية الراهنة، حيث ناقشوا مواضيع التعددية والحوكمة العالمية كاستجابة لتصاعد التحديات عبر الحدود والمتعلقة بالأمن السيبراني والعملات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتزايد الحمائية التجارية. كما ناقشوا أيضا الخطوات المطلوبة لتحقيق التنمية المستدامة والاحتوائية مثل التوظيف والاستثمار في البنية التحتية والأمن الغذائي وغيرها.

ونحن نعتقد بالفعل أن الحديث عن الحوكمة العالمية في ظل الظروف التجارية والاقتصادية التي تلوح برياح حروب تجارية والعودة للحمائية وفرض الرسوم بات ضرورة ملحة للاقتصاد العالمي في وقت بدء فيه الحديث عن التعافي والعودة للنمو بعد نحو عقد من التراجع والتباطؤ بفعل الأزمة العالمية. ونحن ندرك في البداية أن الحوكمة العالمية ليست بديلا عن الإصلاحات العملية التي ينبغي على الحكومات الوطنية تنفيذها، لكنها باتت ترتبط ارتباط وثيق بتحقيق تنمية مستدامة عالمية أكثر عدالة واحتوائية للجميع.

ويطلق مسمى الحوكمة العالمية على مجموعةٍ من المؤسسات الدوليّة مثل هيئة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي التي تعملُ على تطبيقِ نظامٍ إداري عالميّ الهدف منه وضع مجموعةٍ من السياسات، والإجراءات التي تعتمدُ على تطبيق الأساليب، والوسائل الإدارية على نطاقٍ عالميّ.  كما تعرف الحوكمة العالمية أيضاً بأنّها نظامٌ يسعى لاتخاذ القرارات بالاعتماد على تطبيق القانون الدوليّ، والمعاهدات الدوليّة بين دول العالم، من خلال سعيها إلى تطبيقِ نظام إداريّ عالميّ يتعاملُ مع الحكومات الدوليّة، ويعملُ على إدارة شؤونها العالميّة وفقاً للنصوصِ السياسيّة، والإدارية المُتّفق عليها. وبذلك تساهم الحوكمة العالمية في فرضِ نظامٍ إداريٍّ موّحدٍ على المؤسسات التي تتبعُ ضمن نطاقِ تخصصها. كما تساعدُ في الحصولِ على الحلول المناسبة للمشكلات، أو النزاعات التي تندلعُ لأسبابٍ سياسيةٍ، أو اقتصادية. وكذلك تضعِ مجموعةً من الاستراتيجيات التي تُعزّز من التعاون المشترك بين أعضاء الحوكمة.

وبالنظر لطبيعة المواضيع التي تم ربطها بالحوكمة العالمية في اجتماعات وزراء خارجية مجموعة العشرين مثل الأمن السيبراني والعملات الرقمية والتجارة العالمية، فنحن ناقشنا قبل عدة ايام في مقال لنا حول العالم المشفر للعملات الرقمية محاذير التعامل في هذه العملات في ظل غياب تشريعات وقواعد عالمية متفق عليها، وهي ما ذكرنا أن وضعها سوف يستغرق عدة سنوات. ومن هذا المنظار فأن الحوكمة العالمية تعني بالنسبة لهذا الموضوع وجود مؤسسات تقوم بالإشراف والتعاون معا على وضع هذه التشريعات والقواعد العالمية التي سوف تكون محل توافق من الجميع وقابلة للتطبيق على المستوى الدولي. 

كذلك الحال بالنسبة للتجارة العالمية، حيث نشهد الآن فيما يشبه الفوضى العالمية في نماذج التجارة الدولية وتقوم كل دولة بفرض الرسوم التي ترتئيها دون رعاية لمصالح الدول الأخرى، ودون مراعاة لقواعد منظمة التجارة العالمية. والمطلوب بالفعل إخضاع هذه العملية لحوكمة عالمية رشيدة هدفها بالأساس إعادة النظام للعلاقات التجارة الدولية على أسس من العدالة والمصلحة المتبادلة بين الدول.

وللأمانة يمكن القول أن هذه هي ليست المرة الأولى الذي يثار فيها موضوع الحوكمة العالمية كاستجابة للتحديات الاقتصادية العالمية.  فقد شهدت قمة مجموعة العشرين في الصين عام 2016 انطلاق دعوات قادها الرئيس الصيني شي جين إلى ضرورة أن تتخذ حوكمة الاقتصاد العالمي المساواة كأساس، والانفتاح كاتجاه، والتعاون كقوة محركة، والمصالح المشتركة كهدف، من أجل بناء منظومة عادلة وفعالة للحوكمة المالية العالمية، وبناء منظومة منفتحة وشفافة لحوكمة الاستثمار التجاري العالمي، وبناء منظومة خضراء ومنخفضة الكربون لحوكمة الطاقة العالمية، وبناء منظومة شاملة ومترابطة لحوكمة التنمية العالمية. 

إن حوكمة الاقتصاد العالمي الفعالة هي ضمان لأداء الاقتصاد العالمي بشكل جيد، وهي تدفع  مجموعة العشرين للتحول بشكل فعال من السياسات القصيرة المدى إلى سياسات طويلة المدى، ومن مواجهة الأزمة إلى آلية الحوكمة الطويلة المدى، بجانب دفع تحسين هيكل التجارة والاستثمار والمال وهذا بالضبط ما يحتاجه الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن بالنظر لما نشهده من حروب تجارية مشتعلة. إن دفع انتعاش ونمو الاقتصاد العالمي يتطلب حوكمة أكثر عدالة وعقلانية وفعالية للاقتصاد العالمي. كما يتطلب تشجيع مفاهيم الابتكار والحيوية والترابط الشامل، ومبادئ النقاش المشترك والبناء المشترك والمصالح المشتركة. كما ينبغي العمل على وضع نظام لحوكمة الاقتصاد العالمي من شأنه إحداث تغيرات عميقة لهيكل الاقتصاد العالمي، ويزيد تمثيل وصوت الاقتصادات الناشئة والدول النامية التي تضم 80% من عدد سكان العالم وتعتبر الأساس في التطور المشترك للعالم. 

إن قمة مجموعة العشرين القادمة في الأرجنتين يجب أن تعمل على مساعدة الاقتصاد العالمي في فتح طريق جديد وتوسيع حدود جديدة، وفي تركيز التوافق العام على بناء آلية جديدة للتعاون الدولي، وفي دفع انفتاحه وتبادلاته واندماجه، وتكتب بذلك فصلا جديدا للحوكمة العالمية، التي باتت تتكرس كمعلم بارز في تاريخ قمم مجموعة العشرين.
بقلم الدكتور عدنان أحمد يوسف
رئيس مجلس إدارة جمعية مصارف البحرين
رئيس اتحاد المصارف العربية سابقاً

 

تعليقات القراء

Salah Osman
الإثنين 28 مايو 2018 -08:39
الدكتور عدنان يوسف من المصرفيين القلائل الذين مارسوا العمل المصرفى التطبيقي في شتى مجالات العمل المصرفي بالإضافة الى تقلده للعديد من المناصب المصرفية القيادية أضاف اليها الكثير من خبراته في هذا المجال - بالإضافة إلى رئاسة اتحاد المصارف العربيه - التي تتشرف بعضويه الكثير من الخبرات المصرفية العربيه وبالنسبة الي مقالته المهني جريدة البورصة الاقتصادية والخاص بمجموعة العشرين والحوكمة العالمية - حاز رأيكم الخاص المطروح بهذه القمة و وتوجيهكم علي ن قمة مجموعة العشرين القادمة في الأرجنتين يجب أن تعمل على مساعدة الاقتصاد العالمي في فتح طريق جديد وتوسيع حدود جديدة، وفي تركيز التوافق العام على بناء آلية جديدة للتعاون الدولي، وفي دفع انفتاحه وتبادلاته واندماجه، وتكتب بذلك فصلا جديدا للحوكمة العالمية، التي باتت تتكرس كمعلم بارز في تاريخ قمم مجموعة العشرين. الاستحسان لدقة الموضوع وحساسيته وفقك الله ورعاكم
Salah Osman
الإثنين 28 مايو 2018 -08:39
الدكتور عدنان يوسف من المصرفيين القلائل الذين مارسوا العمل المصرفى التطبيقي في شتى مجالات العمل المصرفي بالإضافة الى تقلده للعديد من المناصب المصرفية القيادية أضاف اليها الكثير من خبراته في هذا المجال - بالإضافة إلى رئاسة اتحاد المصارف العربيه - التي تتشرف بعضويه الكثير من الخبرات المصرفية العربيه وبالنسبة الي مقالته المهني جريدة البورصة الاقتصادية والخاص بمجموعة العشرين والحوكمة العالمية - حاز رأيكم الخاص المطروح بهذه القمة و وتوجيهكم علي ن قمة مجموعة العشرين القادمة في الأرجنتين يجب أن تعمل على مساعدة الاقتصاد العالمي في فتح طريق جديد وتوسيع حدود جديدة، وفي تركيز التوافق العام على بناء آلية جديدة للتعاون الدولي، وفي دفع انفتاحه وتبادلاته واندماجه، وتكتب بذلك فصلا جديدا للحوكمة العالمية، التي باتت تتكرس كمعلم بارز في تاريخ قمم مجموعة العشرين. الاستحسان لدقة الموضوع وحساسيته وفقك الله ورعاكم
أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015