البلوك تشين والعملات المشفرة والتحول نحو الاقتصاد الرقمى (2)
الإثنين 11 يونيو 2018 -01:41
استكمالا للمقالة السابقة.. فإنه لاشك أن للبلوك تشين والعملات الرقمية سيكون لها ابلغ الاثر على مستوى التحويلات المالية..  فبالنسبة للاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على القوى العاملة في الخارج ، فإن التحويلات هي التي تدفع النمو في الوقت الحاضر ، يتم تسهيل التحويلات المالية من قبل البنوك التي تفرض رسومًا إضافية على رسوم المعالجة والمعاملات. إلى جانب ذلك ، فإن وقت المعاملة بطيء نسبيًا وسيستغرق سبعة أيام على الأكثر قبل أن يتمكن الطرف المتلقي من الوصول إلى الأموال. فمع العملات الاقتراضية يمكن للأشخاص الالتفاف حول هذه التحذيرات والاستفادة من أموالهم أكثر مما تتطلبه الحوالات التقليدية. والأكثر من ذلك ، يعد تحويل العملات عبر عمليات النقل هذه باهظة التكلفة ، بينما تكون تحويلات هذه العملات الافتراضية أبسط بكثير ولا تتطلب أيًا من هذه التكاليف على الإطلاق. من هذا ، يمكننا أن نتوقع فقط من العاملين في الخارج أن يعتمدوا بشدة على العملات الافتراضية كوسيلة أكثر ملاءمة وأقل تكلفة لإرسال الأموال إلى أسرهم... لكونها وسيلة سهلة وامنة لشراء بيتكون بالعملة الصعبة بالخارج واستلامه من قبل الشخص المعنى فى بلده بالعملة المحلية.. وهذه قد تكون وسيلة لخفض الطلب على العملة الصعبة محليا.. اذا ماتم انهاء العمليات عبر تحويلات من خلال عملة الكترونية افتراضية لها قيمة سوقية.. وهنا سوف تختفى السوق السوداء او حتى البنوك فى ظل وجود مثل هذه الالية.. ولا يتطلب الوضع الحصول على دولار من الداخل لشراء تلك العملة فقد تشتريها بما قيمته من عملتك لتدفع بها قيمة معاملة فى الخارج بقيمة البيتكوين.. وبذلك تكون البيتكون والبلوك تشين اداة سهلة فى تنمية التجارة الالكترونية للمعاملات على نطاق صغير ومتوسط.. او حتى المعاملات الكبيرة نسبيا.. كشراء العقارات مثلا..
أما على مستوى البيئة والاقتصاد، فإنه يتم استخراج العملات الافتراضية من خلال نظام البنية التحتية المعقدة والبرمجيات. ومثل أي طريقة تقليدية أخرى للتعدين ، فإن تخليق هذه العملات يؤثر أيضًا على البيئة بطرق مختلفة. اذ أن الخوادم المستخدمة في التعدين تستهلك قدرا كبيرا من الطاقة. يمكننا فقط تخيل مقدار ما يتم إنفاقه على تشغيل خوادم لا تعد ولا تحصى حول العالم. وهو ما سيترتب عليه تفكير الدول فى إدخال تشريعات بيئية لمعالجة استهلاك الطاقة المتعلق بتعدين البيتكوين. 
وبالنسبة لتغيير طبيعة النظام الاقتصادي والمالي للدول، لأنه لا توجد حكومة واحدة يمكنها السيطرة على هذه العملات تماما وبالتالى قد تكون شكل واضح لثروة الأفراد وحدهم، فهذه العملات الرقمية حاليا غير خاضعة لسيطرة الدولة او البنك المركزي، ولايمكن السيطرة عليها حاليا فهي عبارة عن اقتصاد فى صورة مصغرة بسيطة، وهذا قد يؤدي الى أن تصبح هذه العملات بديلا للعملات التقليدية الحالية.
كما أن هذه التكنولوجيا والعملات المرتبطة بها سوف تؤدى الى تعزيز الاقتصاد الرقمي وبداية اضمحلال الاقتصاد التقليدي، فمع عملات رقمية تعمل كقوة نقدية سيادية جديدة، فإنها تسهل نمو قطاع جديد جذري في الاقتصاد الرقمي غير المنظم بشكل كامل، وهو ما جعل بعض الدول تتخصص فى ان تكون مركزا لها لما لها لما من مزايا نسبية واضحة وفى ضوء انتشارها بين المتعاملين بها، بل واضر بعض الدول الى قبولها كوسائل للدفع.. ومع انتشارها السريع ستفتح افاقا لخلق نظام استثماري عالمي جديد: عادةً ما يأخذ الطرح العام من الشركة ملايين الدولارات ، والكثير من الرسوم القانونية ، وكميات ضخمة من الرقابة التنظيمية. وقد أدى عدم الكفاءة الهائلة والأعباء التنظيمية لهذه العملية إلى إقصاء معظم الناس من القدرة على المشاركة في هذه العملية ، وجعلهم غير قادرين على جني الأرباح الهائلة التي يمكن أن تأتي من الاستثمار عالي المخاطر هذا. الآن مع القدرة على جمع عشرات الملايين من الدولارات باستخدام العملات الرقمية ، يمكن لأي شخص تقريبا إنشاء طرح عام بمبالغ بسيطةجدا تكاد لا تذكر. الطريقة الأكثر شيوعًا للقيام بذلك في هذا الوقت هي من خلال طرحها فى سوق العملات الافتراضية (Initial Coin Offering (ICO).).. وهذا الا سلوب من الطرح اصبح من أقوى وسائل الاستثمار في العملات الرقمية من خلال قطع كل الروتين الخاص بالاستثمار وتفويض المخاطر والمكافآت لنفسه؛ هناك فرص هائلة تحدث في الوقت الراهن في مجال الاقتصاد الحر، والتي ستصيب بشكل أساسي أوضاع الاقتصاد القديم فى مقتل ان لم يتطور ويتواكب مع هذا التطور الهائل من وسائل جديدة وأفضل.. 
وقد استطاع الملايين من الأشخاص تحقيق أرباح هائلة من التعامل بالعملات الافتراضية المشفرة وصلت الى مليارات الدولارات.. وقد نشرت مجلة فوربس قائمة بأغنى تسعة عشر شخصا اعتبرتهم من الأثرياء نتيجة التعامل بهذه العملات، ويعد كريس لارسن، مؤسس عملة "ريبل" المشفرة أغنى رجل في هذا المجال، حيث وجد نفسه أغنى من مارك زوكربيرغ مؤسس موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي، وحلّ في المركز الخامس على قائمة "فوربس" لأثرياء العالم بثروةٍ تُقدر بحوالي ثماني مليارات دولار، وخلف كريس لارسن حلّ الكندي جوزيف لوبن الذي ساهم في تأسيس "بلوك شاين إيثيروم" ومؤسس "كونونسيس"، وهي مؤسسة تعمل على مساعدة بعث المشركات الصغيرة والمتوسطة برأسمال يصل إلى خمسة مليارات دولار. اما في المركز الثالث فحلّ الكندي من أصول صينية تشانغ بينغ زاو، المدير التنفيذي لمؤسسة "بينانس" وهي منصة لتداول الأموال الافتراضية. وقد أشارت المجلة إلى أنّ منصة "بينانس" تقوم بمبادلات مالية تصل إلى مليون ونصف المليون دولار لستة ملايين عميل. كما قدرت المجلة ثروة تشانغ بينغ بملياري دولار.
وبالنسبة للتنيمة المستدامة وتحديد عنصر التنمية البشرية، فاذا كانت كل الاصول والمعاملات والخدمات مسجلة على قاعدة بينات البلوك تشين Blockchain registry فانه سيكون من السهولة حينها تحديد الفجوات فى التنيمة الاقتصادية الاجتماعية واستهداف برامج تنموية لتحقيق اهداف التنمية المستدامة.. وقد بدأت مؤسسات مثل البنك الدولى والامم المتحدة تعيد النظر فى كيفية استخدام تقنية البلوك تشين فى الوصول الى المستفيد النهائى من برامج التنمية ولاسيما فى دول الجنوب الفقيرة والمناطق ذات الاولى بالرعاية وايصال المساعدات اليها من قبيل تحقيق برامج الادماج الاجتماعى وتحقيق المساواة بين الجنسين والتمكين الاقتصادي للمراة وعدم نظم الحوكمة الديمقراطية..فاذا كان الفئات المستهدفة او المؤسسات المنوطة بها الاهتمام بهذه المجالات مسجلة على تقنية البلوك تشين فانه من السهل حينها ايصال المصاعدات المالية لها دون وسيط.. وهذا يثير الرقابة على تحويل الاموال التى ستخرج عن نطاق السيطرة السياسية للدول التى تتم فيها المساعدات.. لان الحسابات الافتراضية ستكون مؤمنة وغير مراقبة...
ولاشك أنه فى الدول الفقيرة او التى لا توجد بها خدمات بنكية او مالية جيدة او ذات انتشار محدود سوف يكون للبيتكوين والبلوك تشين دورا كبيرا حيث ستحل البيتكوين والبلوك تشين محل البنوك وتكون هي النظام البنكى .. وبالتالى قد يدعم هذا جهود التنمية المستدامة فى الدول الفقيرة لتحويل الاموال والصرف على جهود التنمية المستدامة كما قد تكون اداة لتحقيق الشمول المالى.. من خلال التعامل عبر اجهزة اللاب توب او او الاجهزة اللوحية المحمولة او التليفونات المحمولة كما ذكرنا.. ولا تحتاج فقط الى خلق حساب او محفظة مالية الكترونية.. 
كما يمكن لتقنية البوك تشين توفير عقود ذكية يتم ابرامها من قبل المتعاقدين فى ضوء الاكواد المشفرة والحسابات الكودية الخاصة بالعملاء لاتمام معاملات تعاقدية.. بحيث تصبح مفعلة فور الاتفاق عليها وتحويل الاطراف للعملات الاكلترونية لحساب مزدوج Escrow accounts بحيث يتم الافراج عن العملات الالفتراضية الموضوعة بالحساب بمجرد اتمام المعاملة "بضغطة زر" دون الحاجة الى وسيط.. وهذا مايطلق عليه عقد تنظيم المشتقات من منظومة البلوك تشين.. Blockchain based weather derivatives contract...

كذلك بالنسبة للبورصات.. سيكون لهذه التكنولوجيا والعملات المرتبطة بها أثر أيضا بنفس الطريقة فبدلا من التعامل بالنقود التقليدية يتم الدفع ايضا بالبيتكوين والتحويل من حساب لحساب فى حل شراء اسهم شركات من البايع للمشترى مباشرة.. كذلك الحال بالنسبة لقطاع السياحة، ففى حالة الرغبة فى حجز رحلة سياحية للخارج وبشرط ان كل من المنتفع من الرحلة  والمنظم لها او الفندق السياحى له حساب بالبيتكوين او غيرها من العملات الافتراضية/ الرقمية المشفرة، قد لا يحتاج الى تحويل النقود مجرد شراء البيتكون من بلده يصرف مقابلها من الناحية الاخرى فى البلد الاخر المنتقع من التحويل ما قيمته بعملته وهنا لم يخرج الدولار او العملة من البلد للبلد للاخر واصبح المقايضة او التبادل يتم بالعملات الافتراضية..
وبشكل عام، على صعيد القطاعات الاخرى سيكون لتكنولوجيا البلوك تشين اثرا كبيرا على كافة القطاعات لما تتمتع به من المزايا التى ذكرناها سابقا ولاسيما التنمية المستدامة.. وهو ما دفع العديد من المؤسسات الدولية فى كيفية الاستفادة من هذا التطوير الهائل فى التكنولوجيا فى خدمة النظام المالى ومجالات التنمية المستدامة.. فتجنيب النظر السلبية واعلاء النظرة الايجابية لما يمكن ان يكون عليه الحال فى حال اعادة صياغة التعامل مع هذه التقنية الحديثة فى عالم المال والنقود.. بتوفر اليه سهلة وسريعة وامنة وجون تعقيدات او وسيط يطيل من امد العملية وددون الحاجة الى اجراءات معقة لفتح حسابات بنكية.. 
وختاما، فإن الحقيقة التي يجب التسليم بها أن هذه البلوك تشين والعملات الرقمية المشفرة احتلت مكانا مهما في النظام الاقتصادي العالمي وارتفع عدد المستخدمين لها وعدد من يقبل التعامل بها من الشركات والمؤسسات التجارية والأفراد بشكل كبير، وأن الثورة التكنولوجية المتسارعة التي نعيشها مازالت مليئة بالكثير من المفاجآت وماكان مستحيلا في السابق أصبح ممكنا اليوم لذلك لا عجب ان استمرت هذه العملة وغيرها من العملات المشفرة لفترة طويلة واحتلت نسبة كبيرة من التعاملات النقدية لأننا في طور التحول من النظام الاقتصادي التقليدي الى النظام الاقتصادي الرقمي.
 

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015